أشلاء على المائدة الرمضانية : التحول النفسي الخفي في المجتمع السوداني…. كتب دكتور . ابن عوف أحمد

متابعات: ريام نيوز
في ليلة من ليالي رمضان الماضي، تلقيت دعوة من أحد الأصدقاء لمشاركته الإفطار مع عدد من السودانيين في منفاهم. وبينما كنا نتناول طعامنا، رن هاتف أحدهم بإشعار من مجموعة تيليغرام تحمل اسماً رمزياً. فتح الرسالة ليجد مجموعة من الصور لجثث متفحمة لعناصر من مليشيا الدعم السريع، بعضها يظهر أجساداً ممزقة تبدو فيها البطون والأحشاء، علق شفهياً بسخرية سوداء: “صانع الكباب اشتغل اليوم”. مرر الهاتف للجالسين حوله، فتصفحوا الصور واحدة تلو الأخرى بنهم واضح، وهم يواصلون الأكل بذات النهم، كأن مشاهدة الأجساد الممزقة والأحشاء المتناثرة لم تؤثر في شهيتهم قيد أنملة. ثم تبادلوا نظرات فيها علامات رضا واضحة، بل وابتسامات لا تخطئها العين. جلست أراقب المشهد بصمت، شعرت بقشعريرة تسري في جسدي. هؤلاء الرجال الذين أعرفهم، والذين كانوا قبل عامين لا يحتملون مشاهدة ذبح خروف العيد، باتوا الآن يتصفحون صور الموتى والأجساد المحترقة والأحشاء المتناثرة بهدوء مريب، بل وبشيء يشبه الفرح والابتهاج.
هذا المشهد، الذي لم أكن أتصور أن أشهده يوماً، ليس مجرد حالة فردية معزولة بل يتكرر في آلاف التجمعات السودانية المشتتة بين المنافي أو المحاصرة داخل الوطن. إنه علامة مقلقة على تحول نفسي عميق يطال المجتمع السوداني بأسره، تحول يكشف عن الثمن الباهظ الذي تدفعه النفس البشرية حين تواجه عنفاً ممنهجاً وفظائع يومية تتجاوز قدرتها على الاستيعاب.لم تكن الخسائر المادية والبشرية وحدها ما طال المجتمع السوداني، بل امتدت آثار هذا الصراع لتخترق البنية النفسية للأفراد وتعيد تشكيل منظومتهم القيمية والأخلاقية بطرق لم يكن أحد ليتصورها. فقد شهدنا تحولاً مثيراً للقلق في سلوكيات شريحة واسعة من السودانيين، حيث بات كثيرون منهم يتابعون بنهم صور القتلى من عناصر مليشيا الدعم السريع، بل ويستلذون بمشاهدتها ومشاركتها عبر منصات التواصل الاجتماعي، خاصة تلك التي توفر درجة أعلى من الخصوصية كتطبيق تيليغرام.
لفهم هذا التحول، لا بد من الإشارة إلى حجم الفظائع التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع. فما شهده السودانيون من مجازر جماعية، واغتصاب ممنهج للنساء والفتيات، وحرق للمنازل فوق ساكنيها، ونهب واسع النطاق، وتهجير قسري لملايين الأسر، قد خلق حالة من الصدمة الجماعية غير مسبوقة. هذا الكم الهائل من الألم والرعب والعجز يخلق في النفس البشرية رغبة جامحة في الانتقام، ليس بالضرورة كتعبير عن وحشية كامنة، بل كمحاولة يائسة لاستعادة شيء من الكرامة المسلوبة والعدالة الغائبة.
هذا التحول النفسي يمكن فهمه من خلال عدة آليات سيكولوجية معقدة. أولها ما يعرف بـ”التبلد العاطفي”، وهي حالة دفاعية يلجأ إليها العقل البشري عند التعرض المستمر لصدمات متكررة وعنف مفرط. فالتعرض اليومي لأخبار المجازر يدفع الجهاز النفسي للإنسان إلى تفعيل آلية حماية تقوم على تخدير المشاعر وتبليد الاستجابات العاطفية الطبيعية. هذا التبلد ليس اختياراً واعياً، بل هو استجابة لاإرادية للحمل الزائد من الألم النفسي، مما يجعل الشخص يفقد تدريجياً حساسيته تجاه مشاهد العنف والموت. والأكثر إثارة للقلق هو أن هذا التبلد يصل إلى درجة يمكن فيها للشخص أن يشاهد صوراً لجثث محترقة وأحشاء متناثرة وهو يتناول طعامه دون أن تتأثر شهيته.
لكن الأمر يتعدى مجرد التبلد العاطفي إلى ما هو أعمق، إذ نجد أنفسنا أمام ظاهرة “الرضا الانتقامي”، وهو شعور بالارتياح النفسي المؤقت ينشأ عن رؤية المعتدي وهو يلقى جزاءه. هذا الشعور هو محاولة نفسية يائسة لاستعادة بعض التوازن الداخلي المفقود في ظل غياب أي شكل من أشكال العدالة المؤسسية. فعندما يشاهد الضحية صوراً لقتلى المليشيا التي ارتكبت الفظائع بحق عائلته ومجتمعه، فإن عقله الباطن يترجم ذلك على أنه نوع من العدالة المستعادة، وإن كانت جزئية وعشوائية. هذا الإحساس بالعدالة، حتى وإن كان وهمياً، يوفر تنفيساً مؤقتاً عن مشاعر العجز والإحباط المتراكمة.
التعليقات الساخرة عن “المشاوي” عند رؤية الأجساد المحترقة ليست مجرد نكات سوداء عابرة، بل هي نافذة على عمق التحول النفسي. هذه السخرية المريرة هي آلية معروفة في علم النفس تسمى “الفكاهة الدفاعية”، وهي طريقة يلجأ إليها العقل لتحمل الواقع المؤلم عبر تحويله إلى مادة للسخرية. لكن هذه الآلية، رغم أنها قد تبدو وظيفية على المدى القصير، تشير إلى تآكل خطير في الحساسية الأخلاقية وفي القدرة على التعاطف.
من جهة أخرى، تلعب آلية “اللا-أنسنة” دوراً محورياً وخطيراً في هذا التحول. فعندما يستمع المرء يومياً لروايات عن جرائم بشعة ارتكبتها مليشيا الدعم السريع، يبدأ عقله تدريجياً في تجريد هؤلاء الأفراد من صفتهم الإنسانية، وينظر إليهم كوحوش خارجة عن الإطار البشري. هذه العملية النفسية تسهل على الشخص أن يتقبل رؤية جثثهم الممزقة وأحشائهم المتناثرة دون أن يشعر بالتعاطف. لكن المشكلة الحقيقية في هذه الآلية أنها، حين تُفعَّل بكثافة ولفترة طويلة، يمكن أن تصبح نمطاً ثابتاً في التفكير.
لكن رغم أن هذه التحولات النفسية قد تبدو مفهومة كآليات دفاعية مع واقع مروع، إلا أنها تحمل في طياتها مخاطر جسيمة على المدى البعيد. ما نخشاه، وما يجب أن يثير قلقنا العميق، هو أن يحدث تحول كامل ودائم في الشخصية السودانية والبنية الأخلاقية للمجتمع. فالتعود على مشاهدة العنف والموت، والاستلذاذ برؤية القتلى والأجساد الممزقة، يمكن أن يؤدي إلى تآكل تدريجي لا رجعة فيه في القيم الإنسانية الأساسية. هذا التآكل لا يقتصر على العلاقة مع “العدو”، بل قد يمتد ليشمل العلاقات الإنسانية بشكل عام.
إن ما نشهده اليوم هو في جوهره صراع داخلي مرير بين الطبيعة الإنسانية الأصيلة التي ترفض العنف وتقدس الحياة، وبين واقع قاسٍ يفرض على الأفراد التكيف معه بأي ثمن. والسؤال المقلق هو كيف يمكن للمجتمع السوداني أن يتعافى من هذه الجراح النفسية العميقة، وهل سيكون قادراً على استعادة حساسيته الإنسانية وقيمه الأخلاقية، أم أن هذه التحولات ستترك ندوباً دائمة تحوله بشكل كامل إلى مجتمع أكثر قسوة وأقل رحمة؟



