جمارك السودان… إنجاز تحت النار وأسئلة العدالة التي لا تحتمل التأجيل…. .كتب : محمد عثمان الرضي

متابعات :ريام نيوز
تُعد شرطة الجمارك السودانية واحدة من أبرز مؤسسات الدولة التي واجهت اختبار الحرب بثبات لافت، إذ تمكنت، رغم التعقيدات الأمنية والاقتصادية، من الوفاء الكامل بالتزاماتها المالية وتحقيق الربط الإيرادي المقرر بنسبة مائة في المائة، في سابقة تُحسب لها في واحدة من أصعب مراحل تاريخ الدولة السودانية.
هذا النجاح لم يكن مجرد رقم في تقارير الأداء، بل رسالة واضحة مفادها أن بعض مؤسسات الدولة ما زالت قادرة على العمل بكفاءة عالية حتى في أقسى الظروف، إذا ما توفرت الإرادة والإدارة الحاسمة.
ويُسجل لمدير قوات شرطة الجمارك السابق، الفريق شرطة حسب الكريم آدم النور، أنه كان أول مسؤول اتحادي تطأ قدماه مدينة بورتسودان عقب اندلاع الحرب في الخرطوم، في خطوة عكست إحساساً مبكراً بالمسؤولية الوطنية.
لم يتعامل الرجل مع الظرف بوصفه أزمة عابرة، بل كمنعطف مصيري يستوجب الحضور الميداني واتخاذ القرار من قلب الواقع، فباشر مهامه سريعاً، واضعاً أولوية قصوى لحفظ هيبة الدولة وصون سيادتها.
وبجهد منظم، استطاع استئناف دولاب العمل داخل مؤسسة الجمارك، وهو ما فتح الطريق لاحقاً أمام توافد بقية مؤسسات الحكومة الاتحادية إلى العاصمة الإدارية المؤقتة، لتبدأ مرحلة جديدة من إدارة الدولة من مدينة بورتسودان العاصمه الإداريه المؤقته لجمهورية السودان.
غير أن الصورة المشرقة لأداء الجمارك في ملف الإيرادات لا تعني غياب التحديات الداخلية، بل على العكس، فقد أفرزت هذه المرحلة ملفات مؤجلة لا تقل خطورة عن معركة الاقتصاد، وفي مقدمتها ملف الترقيات والعدالة الوظيفية.
تعج مؤسسة الجمارك بعدد كبير من صف الضباط الذين يحملون درجات علمية رفيعة، من حملة البكالوريوس والدراسات العليا، ظلوا لسنوات يؤدون واجباتهم بكفاءة وانضباط، دون أن يجد ذلك انعكاساً عادلاً في مسارهم الوظيفي.
هؤلاء الافراد جمعوا بين الخبرة الميدانية والتأهيل الأكاديمي، إلا أن سقف الترقية ظل منخفضاً على نحو لا ينسجم مع مؤهلاتهم ولا مع سنوات عطائهم داخل المؤسسة.
في محاولة لمعالجة هذا الخلل، بادر وزير الداخلية السابق الفريق شرطة خليل باشا سايرين بتكوين لجنة مختصة لحصر هؤلاء الأفراد وفقاً لدرجاتهم العلمية وسنوات خدمتهم بشرطة الجمارك.
وبحسب المعطيات المتوفرة، بلغ عدد المستحقين للترقية نحو مائة واثني عشر فرداً من رتبة المساعد شرطة، وهم ممن تنطبق عليهم الشروط الموضوعية للترقية إلى رتبة الملازم.
وكانت رؤية وزير الداخلية السابق تقوم على أن هؤلاء الأفراد مدربون أصلاً، ولا يحتاجون إلى جرعات تدريبية إضافية، ما يتيح ترفيعهم مباشرة للرتبة الأعلى دون تعقيد أو إطالة غير مبررة.
غير أن هذا الملف، رغم وجاهة مبرراته، أثار تساؤلات مشروعة لا يمكن تجاهلها أو القفز فوقها بدعوى الاستعجال أو الضرورة.
اولى هذه التساؤلات تتعلق بالتمثيل الجغرافي: هل روعيت العدالة بين مختلف أقاليم السودان، أم أن الاختيار جاء منحازاً لمناطق بعينها دون سند موضوعي؟
أما التساؤل الثاني، فيرتبط بآلية الاختيار نفسها، وهل استندت إلى معايير شفافة ومعلنة، أم خضعت لاجتهادات ضيقة لا تخضع للرقابة المؤسسية.
ويبقى السؤال الأكثر حساسية: هل تم استيعاب جميع خريجي الجامعات من حملة البكالوريوس فما فوق داخل شرطة الجمارك، أم أن بعضهم تم تجاوزه لأسباب غير واضحة؟
في هذا السياق، تبرز المسؤولية المباشرة لوزير الداخلية الحالي الفريق شرطة بابكر سمرا مصطفى، بوصفه المسؤول الأول عن ملف الشرطة وصاحب الولاية على القرارات المصيرية المرتبطة بالترقيات.
ويظل التساؤل قائماً: هل أُحيط وزير الداخلية علماً بكل تفاصيل اختيار المرشحين للترقية إلى رتبة الملازم، خاصة في ظل وصولهم بالفعل إلى العاصمة القومية واستعدادهم لدخول معسكر التدريب بكلية علوم الشرطة والقانون؟
كما لا يمكن تجاوز دور مدير قوات الجمارك، الفريق شرطة صلاح أحمد إبراهيم، باعتباره القائد التنفيذي المسؤول عن المؤسسة ميدانياً وإدارياً.
فهل وقف المدير العام عملياً على شروط الاختيار؟ وهل أشرف على عملية التصنيف بنفسه؟ وهل كانت الشفافية حاضرة بوصفها قيمة حاكمة لا مجرد إجراء شكلي؟
ومن هذا المنطلق، يبقى الأمل قائماً في أن تكون المعايير التي حكمت وتحكم عملية الاختيار معايير منصفة وواضحة، وأن يكون مبدأ العدالة حاضراً بقوة لا يقبل المساومة أو الالتفاف.
فالسودان وطنٌ لجميع السودانيين، يتساوون فيه في الحقوق والواجبات، ولا مجال فيه لأية أفضلية لشخص على آخر بسبب اللون أو العرق أو الدين.
الحقوق يجب أن تكون متساوية تماماً، والفرص متكافئة، وفق مبدأ المواطنة الخالصة التي لا تعلو فيها إلا قيمة الكفاءة والاستحقاق وخدمة الوطن.
إن نجاح شرطة الجمارك في تحقيق الربط الإيرادي الكامل خلال زمن الحرب يضعها في موقع القدوة، لكن الحفاظ على هذا النجاح يتطلب ترسيخ العدالة الداخلية بنفس الصرامة.
فالإنجاز المالي لا يكتمل دون إنصاف الكفاءات، وهيبة الدولة لا تستقيم إذا شعر بعض أبنائها داخل المؤسسات بالغبن أو الإقصاء.
ويبقى الرهان الحقيقي على أن يُدار هذا الملف بعقل مؤسسي وضمير وطني حي، حتى تظل الجمارك نموذجاً للصمود، لا في الأرقام وحدها، بل في العدالة أيضاً.



