بيان إلى الرأي العام الدولي: إنسانية الدولة في مواجهة جرائم الميليشيا

بيان إلى الرأي العام الدولي: إنسانية الدولة في مواجهة جرائم المليشيا
بقلم: محمد عثمان الرضي
صحفي سوداني
في وقت تمزقه الحرب وتختبر فيه القيم الإنسانية على نحو غير مسبوق، اتخذت الدولة السودانية خطوة ذات دلالة أخلاقية عميقة، تمثلت في توجيه رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بإطلاق سراح الأمهات السجينات مع أطفالهن بسجن النساء بأم درمان، وإسقاط بلاغات الحق العام في مواجهتهن.
هذه الخطوة لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياقها الإنساني، فهي رسالة واضحة مفادها أن الدولة، رغم أهوال الحرب وتعقيداتها، ما تزال قادرة على التمييز بين منطق القانون ومنطق الانتقام، وبين العدالة والوحشية.
إن احتجاز الأمهات مع أطفالهن يمثل أحد أكثر الانتهاكات قسوة في أي نزاع مسلح، لما ينطوي عليه من انتهاك مزدوج لحقوق المرأة وحقوق الطفل. ومن هنا، فإن إطلاق سراحهن يشكل التزامًا صريحًا بالحد الأدنى من المعايير الإنسانية التي أقرتها القوانين الدولية والمواثيق الأممية.
لقد دفعت المرأة السودانية الثمن الأعلى منذ اندلاع الحرب. تعرضت لانتهاكات جسدية ونفسية جسيمة، وفقدت الأزواج والأبناء، وتحملت أعباء الإعالة والحماية والبقاء في ظل انهيار شبه كامل لمؤسسات الدولة والخدمات الأساسية.
ورغم ذلك، ظلت المرأة أحد أعمدة الصمود المجتمعي، تقود معركة البقاء بصمت، وتحمي ما تبقى من نسيج اجتماعي مهدد بالانهيار، في ظروف لا تحتمل مزيدًا من الانتهاكات أو التجاهل.
غير أن هذا المشهد الإنساني الإيجابي، يقابله واقع مظلم لا يمكن تجاهله. ففي الوقت الذي تُفرج فيه الدولة عن السجينات وتسقط عقوبات الحق العام في مواجهتهن، ما تزال مليشيا الدعم السريع تحتجز المئات من النساء في سجون سرية وغير خاضعة لأي رقابة قانونية.
تتعرض هؤلاء النساء، وفق إفادات موثقة وشهادات متطابقة، لشتى صنوف التعذيب الجسدي والنفسي، ولانتهاكات جسيمة ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الدولية.
إن المقارنة بين سلوك الدولة، رغم الحرب، وسلوك المليشيا المسلحة، تكشف بوضوح الفارق الأخلاقي والقانوني بين منطق الدولة ومنطق العصابات، وبين مؤسسة تحاول الحفاظ على إنسانيتها، وجهة لا تعترف بقانون ولا بكرامة الإنسان.
إن هذا التباين الصارخ يضع المجتمع الدولي، ومنظمات حقوق الإنسان، ومؤسسات العدالة الدولية أمام مسؤولية تاريخية لا تحتمل الصمت أو المجاملة السياسية.
فالصمت على احتجاز النساء وتعذيبهن، أو التعامل مع هذه الجرائم بانتقائية، يمثل تواطؤًا غير مباشر، ويقوض مصداقية المنظومة الحقوقية الدولية برمتها.
لقد وثقت منظمات محلية ودولية مشاهد مأساوية لنساء نزحن من دارفور ومناطق النزاع، بعضهن قطعن مئات الكيلومترات هربًا من العنف الممنهج، في ظروف إنسانية بالغة القسوة.
ولم يكن المشهد الذي بكى فيه رئيس مجلس السيادة خلال زيارته لمعسكرات النازحين في الولاية الشمالية إلا انعكاسًا صادقًا لحجم الكارثة الإنسانية التي تعيشها النساء السودانيات.
إن تلك الدموع لم تكن مشهدًا عاطفيًا عابرًا، بل تعبيرًا عن إدراك سياسي وإنساني لحجم المأساة، ورسالة بأن القيادة التي تتفاعل مع الألم الإنساني وتعمل علي إزالته.



