الأعمدة ومقالات الرأي
أخر الأخبار

إيمان مزمل تكتب:الأمل الجديد… من يقود وعي الشباب في السودان؟

من يقود وعي الشباب حين تغيب القدوة، وتنهار المرجعيات، ويتقدم الخراب على كل شيء؟

في كل المجتمعات، تلعب القدوة دورًا محوريًا في توجيه الأجيال، وغرس القيم النبيلة، وبناء الوعي الجمعي. فهي المرجعية التي يستند إليها الشباب لصقل شخصياتهم واختيار مساراتهم في مواجهة تحديات الحياة. وعندما تتآكل هذه المرجعية أو تفقد مصداقيتها، لا يضيع الاتجاه فقط، بل يتسع الشعور بالتيه، ويصبح البحث عن القدوة حاجة ملحّة، لا مجرد سؤال فكري مؤجل.

في السودان، وفي ظل الحرب والانتهاكات وواقع إنساني بالغ القسوة، تحوّل سؤال القدوة إلى جرح مفتوح في وعي جيل فقد ثقته في نخبة فشلت في امتحانات الواقع، وغابت حين كان حضورها أكثر إلحاحًا. وفي المقابل، لم تعد القدوة تُختزل في صورة رمزية أو لقب اجتماعي، بل باتت مرتبطة بالفعل الحقيقي: الشجاعة في مواجهة الخراب، وتحمل المسؤولية في زمن تتراجع فيه الأدوار التقليدية. أمام هذا الفراغ الرمزي، يقف الشباب أمام مأزق وجودي واضح: من يقود الوعي؟ ومن يضيء الطريق؟

وفي ظل هذا الغياب، تبرز إشكالية أخطر، تتمثل في الانجذاب إلى نماذج فارغة تُقدَّم بوصفها قدوة، دون أن تمتلك أساسًا من المسؤولية أو الحكمة. نماذج تصنع حضورها بالكلام والصورة، لا بالفعل والأثر، فتزيد من تشويش الوعي بدل أن تهديه. وهنا، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل يكتفي الشباب باتباع قدوة زائفة، أم يملكون الشجاعة ليكونوا هم القدوة؟

لكن التاريخ لا يُكتب فقط بلحظات الانهيار، بل أيضًا بتلك الأفعال الصغيرة التي تقاوم العدم بصمت.

ورغم هذا المشهد القاتم، يتشكل أمل جديد بهدوء، بعيدًا عن الأضواء. أمل تصنعه نماذج شبابية اختارت أن تكون جزءًا من الحل، لا لأنها تمتلك فائض قدرة، بل لأنها رفضت العجز الكامل. في غرف الطوارئ والتكايا، نرى شبابًا يقدمون العون لمن لا قدرة لهم؛ لا بخطابات كبرى، بل بوجبات بسيطة، وماء، وحضور إنساني صادق في لحظة قاسية. هؤلاء لا يدّعون البطولة، لكنهم يمارسون أصدق معاني القدوة: أن تفعل ما تستطيع، حيث أنت، وبما تملك.

هذا الفعل اليومي البسيط يعيد تعريف القدوة بعيدًا عن المثالية الزائفة. فالقدوة لم تعد مرتبطة بالمكانة أو المنصب، بل بالمسؤولية الأخلاقية تجاه الآخر، وبالقدرة على الفعل رغم القسوة والندرة. وهنا، يصبح الأمل مشروعًا جماعيًا يبدأ من تطوير الذات، ومن التعلم رغم الضيق، ومن الإصرار على العمل حتى في أصغر صوره.

إن الأزمة الراهنة ليست دعوة للاستسلام، بل فرصة لإعادة التفكير في طريقة تعاملنا مع قضايا الوطن كافة. فالخروج من أزمة القدوة، ومن مجمل أزمات السودان، لا يكون بتعداد الخسائر ولا بالاكتفاء بالحسرة على ما ضاع، بل بتغيير طريقة التفكير ذاتها: أن ننتقل من موقع الشكوى إلى موقع الفعل. فالمجتمعات لا تُنقذ بانتظار المنقذ، بل حين يقرر أبناؤها أن يكونوا جزءًا من الحل لا مجرد شهود على الإنهيار. والسودان لن يتعافى بتبدل الوجوه وحده، بل بتبدل الوعي، حين نختار أن نصنع القدوة بدل أن نبحث عنها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى