الأعمدة ومقالات الرأيسياسية
أخر الأخبار

محمد عثمان الرضي يكتب: الجمارك بين نيران المعركة وعدالة القرار، من ينصف الأبطال؟

الجمارك بين نيران المعركة وعدالة القرار: من يملك شجاعة إنصاف الأبطال؟

كتب: محمد عثمان الرضي

خاضت قوات الجمارك السودانية معركة الكرامة من أوسع أبوابها، ولم تكن يوماً على هامش الأحداث أو بعيدة عن خطوط المواجهة، بل حضرت في قلب الميدان، حيث النار والدم والتضحيات الجسام.

دخلت الجمارك ساحات القتال وهي تدرك حجم المخاطر، وقدمت في سبيل الوطن شهداء وجرحى، وتحملت آلام الأسر والمفقودين، دون أن تنكسر إرادتها أو تتراجع عن واجبها الوطني.

لم يكن دور قوات الجمارك عسكرياً فقط، بل امتد ليشمل جبهة أخرى لا تقل ضراوة، وهي الجبهة الاقتصادية، حيث خاضت معركة الكرامة الاقتصادية بعزيمة لا تلين.
في وقت عصيب شهد فيه السودان تراجعاً حاداً في الموارد، استطاعت الجمارك تحقيق أعلى معدلات الإيرادات، وأسهمت بفاعلية في رفد خزينة الدولة بالعملة المحلية والأجنبية.

وبرغم الحرب والظروف الاستثنائية، أثبتت الجمارك أنها مؤسسة منضبطة وملتزمة، فحققت الربط الإيرادي المقرر لها بنسبة مئة في المئة، بل تجاوزته بصورة لافتة تستحق التوقف عندها.

هذا الإنجاز لم يكن وليد الصدفة، وإنما ثمرة جهد مضنٍ وتضحيات يومية بذلها منسوبو الجمارك في المنافذ والمعابر، وفي الطرق الوعرة، وتحت تهديد السلاح.

الجمارك اليوم تُعد من المؤسسات القليلة التي أوفت بكامل التزاماتها المالية تجاه الدولة، في واحدة من أكثر الفترات تعقيداً في تاريخ البلاد الحديث.

ومن بشريات الانتصار في معركة الكرامة، جاء قرار ترقية عدد من منسوبي الجمارك من رتبة المساعد إلى رتبة الملازم، في خطوة حملت أملاً طال انتظاره داخل صفوف المؤسسة.

شملت هذه الترقيات خريجي الجامعات بمختلف درجاتهم العلمية، من حملة البكالوريوس وحتى الدكتوراه، في اعتراف صريح بأهمية العلم والكفاءة داخل العمل النظامي.

تم تشكيل لجنة مختصة للترقيات، وضعت الضوابط والشروط، واختارت المرشحين، ثم أُدخلوا ميدان التدريب بكلية علوم الشرطة والقانون بالعاصمة القومية الخرطوم.

ورغم إيجابية الخطوة في ظاهرها، إلا أنها فتحت باباً واسعاً للنقاش المشروع حول عدالة الشروط والمعايير التي حُددت للترقية.

فمنسوبي الجمارك من ضباط الصف كانوا العمود الفقري الحقيقي لتحقيق هذه الإيرادات العالية، وتحملت أكتافهم العبء الأكبر في الميدان والواقع اليومي.

هؤلاء لم يكونوا مجرد منفذين للأوامر، بل شركاء أصيلين في صناعة النجاح الاقتصادي، ووقوداً حقيقياً لصمود المؤسسة في زمن الانكسارات.

إنصاف ضباط الصف اليوم ليس ترفاً إدارياً ولا مجاملة عاطفية، بل واجب شرعي وأخلاقي ووطني، يفرضه حجم التضحيات التي قُدمت بلا حساب.

العدالة الوظيفية الحقة تقتضي مراجعة شروط الترقية، لا سيما ما يتعلق بسنوات الخدمة المطلوبة، بما ينسجم مع طبيعة المرحلة الاستثنائية.

فالمرونة في اتخاذ القرار لا تعني التفريط، بل تعكس وعياً إدارياً عميقاً يوازن بين اللوائح والواقع، ويرفع الروح المعنوية داخل المؤسسة.

إن تعديل شرط سنوات الخدمة من عشر سنوات إلى خمس سنوات لحملة الشهادات الجامعية، وسبع سنوات لحملة الشهادة الثانوية، يمثل خطوة منصفة وعملية.

 

مثل هذا التعديل يضمن استيعاب أكبر عدد ممكن من المستحقين للترقية، وينقلهم من مراتب ضباط الصف إلى مصاف الضباط، بما يعزز الاستقرار المؤسسي.

كما يسهم في ردم الفجوة الوظيفية، ويحقق قدراً كبيراً من العدالة، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن الدولة لا تنسى من يخدمها بإخلاص.

وفي هذا السياق، يجب التأكيد على أن شروط الترقيات ليست قرآناً منزلاً ولا نصوصاً مقدسة لا تقبل المراجعة، وإنما هي جهد بشري ناقص بطبيعته وقابل للتعديل متى ما اقتضت المصلحة العامة ذلك.

فاللوائح والقوانين وُضعت لخدمة المؤسسات وتحقيق العدالة، لا لتحويلها إلى قيود جامدة تعرقل التطور، وتطويعها بوعي ومسؤولية لتحقيق أكبر فائدة ممكنة أمر في غاية الأهمية.

مدير قوات الجمارك، الفريق شرطة صلاح أحمد إبراهيم، يملك الصلاحية القانونية والشجاعة المهنية لإحداث هذه التعديلات، بالتنسيق والتشاور مع وزير الداخلية الفريق شرطة بابكر سمرا مصطفى.

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تنتصر روح العدالة لشهداء ومرابطي الجمارك، أم تُترك التضحيات رهينة لنصوص جامدة لا ترى الواقع؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى