
لم تكن الخرطوم يومًا مدينة عابرة في تاريخ السودان بل كانت وستظل قلبه النابض ومركز ثقله السياسي والاقتصادي والإنساني ،وما شهدته من دمار خلال الفترة الماضية لم يكن نهاية الحكاية بل محطة قاسية في مسار مدينة اعتادت أن تنهض كلما ظنّ البعض أنها سقطت.
اليوم ومع عودة حكومة الدكتور كامل إدريس بدأت ملامح الأمل تتشكّل بوضوح واتضحت الرؤية بأن الخرطوم لم تكن سوى (مسألة وقت). وقتٌ تحتاجه المدن الجريحة لتلتقط أنفاسها ووقتٌ يحتاجه أبناؤها ليعودوا إليها وهم أكثر إصرارًا على الحياة.
عودة الحكومة لم تكن مجرد انتقال إداري بل رسالة قوية بأن الدولة حاضرة وبأن الخرطوم لم تُترك لمصيرها .ومع هذه العودة بدأ المواطنون يعودون واحدًا تلو الآخر حاملين معهم روح الانتماء ورغبة صادقة في إعادة بناء ما تهدّم. فدبّت الحياة في شوارع العاصمة من جديد وبدأت ملامح التعافي تظهر في تفاصيل صغيرة لكنها عميقة الدلالة.
نظافة الشوارع، وفتح الأسواق، وعودة الحركة التجارية، لم تكن مجرد مظاهر شكلية بل إشارات واضحة على أن مركب الحياة عاد ليسري في شرايين الخرطوم. المستشفيات التي أعادت فتح أبوابها أعادت معها الإحساس بالأمان وعودة الخدمات الأساسية أعادت الثقة في الغد، كل حجر أُزيل من الطريق وكل متجر فُتح وكل مرفق عاد للعمل كان بمثابة إعلان صريح بأن الخرطوم ترفض الاستسلام.
وكان لخطوة العودات الطوعية التي أسهمت فيها الحكومة بصورة فاعلة أثر بالغ في استكمال صورة (الخرطوم الأم) فهي الخطوة التي كانت تنقص المشهد إذ لا مدينة بلا أهلها ولا عمار بلا عودة أصحاب الدار هذه العودات لم تكن عودة جغرافية فقط بل عودة للروح، للذاكرة، وللعلاقة الحميمة بين الإنسان والمكان.
الخرطوم اليوم لا تنكر ما مرّت به لكنها لا تسمح له أن يقيّد مستقبلها. فهي تتحوّل بثبات من الدمار إلى العمار، ومن الألم إلى الأمل، مستندة إلى إرادة أبنائها ودعم حكومة أدركت أن إعادة إعمار الإنسان تسبق إعادة إعمار البنيان.
وستبقى الخرطوم كما كانت دائمًا مدينة قادرة على النهوض، مدينة تتعافى بصبر، وتُعمَّر بعزيمة، وتسير بخطى واثقة نحو غدٍ يستحقه أهلها. من الدمار إلى العمار… هكذا تكتب الخرطوم فصلها الجديد.

