المخابرات العامة تستعيد تاريخ السودان… إنجاز أمني يهزم الصورة النمطية ويضع وزارة الثقافة أمام اختبار الدور

كتب محمد عثمان الرضي
في لحظة محمّلة بالرمزية والدلالات، أقامت وزارة الثقافة والإعلام والسياحة، اليوم الثلاثاء الثالث عشر من يناير 2026، احتفالاً رسمياً بصالة فندق الربوة بمدينة بورتسودان، العاصمة الإدارية المؤقتة لجمهورية السودان، احتفاءً باسترداد الآثار السودانية المنهوبة.
الاحتفال لم يكن مجرد مناسبة بروتوكولية لتبادل الخطب والابتسامات، بل حمل في طياته رسائل سيادية وثقافية وأمنية عميقة، تؤكد أن السودان، رغم الحرب والانقسام والإنهاك، ما زال قادراً على استعادة جزء من تاريخه المنهوب وحماية هويته الحضارية.
وشهدت الفعالية حضوراً دبلوماسياً لافتاً، تقدّمته البعثة الدبلوماسية السعودية بقيادة نائب السفير السعودي بالسودان الأستاذ يحيى القرني، في أول ظهور رسمي له منذ تسلمه مهامه الجديدة إنابة عن السفير علي بن حسن بن جعفر.
حضور نائب السفير السعودي اكتسب أهمية خاصة، ليس فقط لتمثيله دولة ذات ثقل سياسي وإقليمي، وإنما لكونه من أصغر الدبلوماسيين عمراً في السلك، حيث لم تتجاوز فترة عمله بالسودان ستة أشهر، ما أضفى على مشاركته بعداً شاباً ورسالة اهتمام مبكر بالملف السوداني.
كما عكس الحضور السعودي اهتمام المملكة بحماية الإرث الحضاري السوداني، والتفاعل مع القضايا الثقافية التي تتجاوز كونها شأناً محلياً لتصبح جزءاً من الذاكرة الإنسانية المشتركة.
الإنجاز الأساسي الذي جاء الاحتفال تتويجاً له، والمتمثل في استرداد الآثار المنهوبة، يعود الفضل فيه بصورة مباشرة إلى جهاز المخابرات العامة السوداني، بقيادة الفريق أمن أحمد إبراهيم مفضل، الذي حشد إمكانيات الجهاز وطاقاته لإنجاز هذه المهمة المعقدة.
هذا النجاح الأمني أعاد فتح ملف الصورة الذهنية السالبة التي ظلت تلاحق جهاز المخابرات العامة في أذهان قطاعات واسعة من الرأي العام، باعتباره جهازاً مرتبطاً بالقمع والسجون والانتهاكات.
غير أن أدوار الجهاز خلال معركة الكرامة، ثم نجاحه في ملف استرداد الآثار، قدّمت نموذجاً مغايراً، وأظهرت وجهاً مهنياً يعمل في حماية السيادة والهوية الوطنية بعيداً عن الصورة النمطية القديمة.
الاحتفال مثّل أيضاً لحظة نادرة لظهور نائب المدير العام لجهاز المخابرات العامة، الفريق أمن عباس محمد بخيت، الذي ظل لسنوات طويلة يعمل في صمت وبعيداً عن عدسات الكاميرات.
جلوس الفريق عباس بخيت في المنصة الرئيسية لم يكن تفصيلاً عابراً، بل حدثاً ذا دلالة، أعاد تسليط الضوء على رجال الظل الذين يديرون الملفات الشائكة بعيداً عن الضجيج الإعلامي.
الفريق عباس بخيت من خريجي جامعة الخرطوم، كلية الآداب، والتحق بجهاز المخابرات العامة ضابطاً بالأصالة، في وقت كانت فيه سياسة الجهاز تعتمد على استقطاب الكفاءات من الجيش والشرطة مراعاة لعامل الخبرة.
وخلال مسيرته المهنية، برز كضابط مخابرات بامتياز، حيث تولى إدارة ملف المخابرات الخارجية لفترة طويلة، ووضع فيه بصمته الواضحة، وأسهم في تعزيز حضور الجهاز على المستويين الإقليمي والدولي.
هذه الجهود تُوّجت بترقيته إلى رتبة فريق، ثم تعيينه نائباً لمدير جهاز المخابرات العامة السوداني، في مرحلة بالغة التعقيد من تاريخ البلاد.
في المقابل، تفرغ النائب الأول لرئيس جهاز المخابرات العامة، الفريق الركن محمد عباس اللبيب، لإدارة المعارك القتالية الميدانية في مختلف بقاع السودان.
وحقق اللبيب، وفق متابعات ميدانية، عدداً من الانتصارات العسكرية التي أسهمت في تغيير موازين القوى، ما عكس تكاملاً واضحاً في الأدوار داخل قيادة الجهاز.
هذا التكامل بين العمل الاستخباري الاستراتيجي والعمل العسكري الميداني يؤشر إلى تطور لافت في بنية جهاز المخابرات العامة، وقدرته على العمل في أكثر من اتجاه في آن واحد.
ورغم رمزية الحدث وأهميته، لم يخلُ الاحتفال من ملاحظات نقدية، لعل أبرزها اختيار شعار الفعالية «ختامه مسك».
هذا الشعار بدا غير موفق، إذ أوحى عن غير قصد بأن وزارة الثقافة والإعلام والسياحة قد أنهت مهمتها، وكأنها تتهيأ لمغادرة بورتسودان عائدة إلى العاصمة القومية الخرطوم.
والحقيقة أن دور الوزارة لم ينتهِ بعد، بل يمكن القول إنه لم يبدأ فعلياً حتى الآن، في ظل الفراغ الثقافي والإعلامي الكبير الذي تعيشه البلاد.
فالمرحلة الراهنة تتطلب مشروعاً وطنياً متكاملاً يعيد الاعتبار للثقافة والإعلام والسياحة كأدوات وعي وبناء ومقاومة، لا كشعارات احتفالية موسمية.
استرداد الآثار المنهوبة ليس نهاية الطريق، بل بدايته، لأنه يضع على عاتق وزارة الثقافة مسؤولية حماية هذا الإرث، وتوظيفه في معركة الهوية والانتماء.
وفي زمن الحرب والتشظي، تبدو عودة الآثار المنهوبة بمثابة استعادة لجزء من الروح الوطنية، ورسالة واضحة بأن السودان، مهما تعثّر، قادر على أن ينهض، وأن يستعيد ما سُرق منه… تاريخاً وكرامة.


