مقالات

منفذ أوسيف بين خنق الإمداد الغذائي وغضب المجتمعات المحلية

محمد عثمان الرضي يكتب…

تسببت الحرب التي اندلعت في العاصمة القومية الخرطوم في شلل واسع طال القطاعات الإنتاجية، وعلى رأسها المصانع التي تنتج المواد الغذائية بمختلف أصنافها، الأمر الذي ألقى بظلاله الثقيلة على الأمن الغذائي للمواطنين.

ومع توقف عجلة الإنتاج المحلي، وجدت الدولة نفسها أمام خيار اضطراري يتمثل في فتح باب الاستيراد من دول الجوار لسد الفجوة المتزايدة في السلع الأساسية

في هذا السياق، وقع الاختيار على جمهورية مصر العربية كمصدر رئيسي لتوفير المواد الغذائية، مستفيدة من القرب الجغرافي وسهولة النقل البري.

تم اعتماد عدد من المنافذ والمعابر الحدودية لإدخال البضائع، أبرزها معابر أرقين ووادي حلفا، إضافة إلى منفذ أوسيف التابع لولاية البحر الأحمر، والذي يبعد نحو 280 كيلومتراً شمال مدينة بورتسودان.

في بدايات الأمر، كانت حركة انسياب السلع الغذائية عبر هذه المنافذ تسير بصورة طبيعية ومنتظمة، ما ساعد على تخفيف حدة الأزمة في الأسواق المحلية.

غير أن هذا الوضع لم يستمر طويلاً، إذ تفاجأ المتعاملون والمواطنون بتضييق مفاجئ على منفذ أوسيف تحديداً، دون بقية المعابر الأخرى.

هذا التضييق لم يكن مصحوباً بتبريرات واضحة أو قرارات معلنة، ما فتح الباب واسعاً أمام الشكوك والتساؤلات حول دوافعه الحقيقية.

 

اللافت أن البضائع ظلت تنساب بسلاسة عر أرقين ووادي حلفا، بينما واجه منفذ أوسيف قيوداً مشددة عطلت حركة الإمداد.

هذا التمييز غير المبرر أعطى انطباعاً قوياً بأن أمراً ما يُدبَّر في الخفاء، بعيداً عن أعين الرأي العام.

ويفهم من هذا التضييق أنه بمثابة خنق متعمد لمنفذ أوسيف وقطع شريانه الحيوي، الأمر الذي يعني الموت البطيء لهذا المعبر الحدودي.

نتيجة مباشرة لذلك، وجد المئات من المواطنين أنفسهم مهددين بفقدان مصادر أرزاقهم المرتبطة بالنقل والتخليص والتجارة والخدمات المصاحبة للمنفذ.

في الأصل، أُنشئت المنافذ والمعابر البرية لخدمة المجتمعات المحلية، ودفع عجلة التنمية، لا لتكون أداة للإضرار بالإنسان في معاشه اليومي.

ويُعد منفذ أوسيف من المنافذ المهمة، إذ كان أول محطة جمركية يتم فيها تركيب جهاز الأشعة السينية لفحص البضائع.

هذا الجهاز يسمح بمرور الشحنات ذات الصنف الواحد بسهولة، لكنه يشكل عائقاً أمام الموردين الذين يعتمدون على شحنات متعددة الأصناف.

ومعظم الموردين، بحكم طبيعة السوق والطلب، يفضلون تشكيل الشحنة الواحدة من عدة أصناف لتقليل التكلفة وتلبية احتياجات الأسواق.

استخدام جهاز الأشعة بهذه الصيغة الصارمة حوّل المنفذ من نقطة عبور إلى نقطة اختناق حقيقية.

أمام هذا الواقع، لم يجد المواطنون المتضررون بداً من التعبير عن رفضهم عبر موجة من الاحتجاجات السلمية.

تطورت الاحتجاجات إلى إغلاق حظيرة الجمارك، ثم إغلاق الطريق القومي، في رسالة واضحة تعكس حجم الغضب الشعبي.

وفي ذات السياق، تم احتجاز شاحنات محملة بالمواد الغذائية في طريقها إلى مدينة بورتسودان.

عملية الاحتجاز نُفذت بواسطة قوات مكافحة التهريب التابعة للجمارك، رغم اكتمال الإجراءات الجمركية وسداد الرسوم المطلوبة.

هذا الإجراء أثار استياءً واسعاً وسط التجار وملاك البضائع، الذين رأوا فيه تجاوزاً غير مبرر.

المحتجون لم يكتفوا بالتصعيد الميداني، بل تقدموا بمذكرة عاجلة إلى والي ولاية البحر الأحمر الفريق الركن مصطفى محمد نور محمود.

احتوت المذكرة على جملة من المطالب، في مقدمتها إلغاء تشغيل جهاز الأشعة السينية بصيغته الحالية.

كما طالبت بتسهيل الإجراءات الجمركية بما ينسجم مع ظروف البلاد الاستثنائية.

ودعت المذكرة إلى إشراك أبناء المنطقة في إدارة المنفذ، تحقيقاً لمبدأ الشراكة والعدالة.

وشملت المطالب أيضاً التمييز الإيجابي لأبناء المنطقة في فرص العمل المرتبطة بالمنفذ.

إضافة إلى تخصيص ميزانية مقدرة لبرامج المسؤولية المجتمعية لدعم المجتمعات المحلية المتأثرة.

وفي بعدٍ إقليمي لا يمكن تجاوزه، عقدت اللجنة الاقتصادية السودانية المصرية آخر اجتماعاتها بالعاصمة المصرية القاهرة، حيث أمّن الطرفان على ضرورة وسهولة انسياب البضائع عبر المعابر والمنافذ البرية الحدودية بين البلدين، باعتبار ذلك ركيزة أساسية للتعاون الاقتصادي المشترك.

كما يضع سفير جمهورية مصر العربية لدى السودان، السفير هاني صلاح، الملف الاقتصادي المشترك في مقدمة أولوياته، وظل هذا الملف هاجسه الأول منذ توليه رئاسة البعثة الدبلوماسية المصرية في السودان، بما يعكس اهتماماً رسمياً بتذليل العقبات أمام حركة التجارة.

ومن المتوقع أن يعقد ممثلو المحتجين لقاءً مباشراً مع والي الولاية في صبيحة الرابع عشر من يناير الجاري، في محاولة لاحتواء الأزمة.

في المقابل، أصدر مدير قوات الجمارك الفريق شرطة صلاح أحمد إبراهيم توجيهاته بإجراء تسويات للشاحنات المحتجزة.

التسويات قضت بدفع ما يعادل خمسين في المئة من إجمالي البضائع، وهو ما اعتبره ملاك البضائع عبئاً مالياً باهظاً.

ويبقى السؤال معلقاً: هل تعالج هذه القرارات جذور الأزمة، أم أنها تزيد الاحتقان وتعمق الشعور بالغبن في منفذ أوسيف؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى