الأعمدة ومقالات الرأي
أخر الأخبار

تهاوي المشروع الإماراتي: كيف تُقطع خطوط الإمداد لإنهاء الحرب في السودان….

كتب د. ابن عوف أحمد

ثلاثون دقيقة فقط احتاجها محمد بن سلمان ليشرح لترامب فصول المأساة السودانية في البيت الأبيض، لكن ما لم يُعلن في ذلك اللقاء كان أخطر بكثير. خلف الكواليس، كانت اجتماعات مغلقة بين القاهرة والرياض وأنقرة والخرطوم تضع اللمسات الأخيرة على استراتيجية محكمة هدفها الوحيد: قطع شرايين الحرب عبر إغلاق خطوط الإمداد الممتدة من الإمارات إلى مليشيا الدعم السريع عبر ليبيا والصومال وتشاد وجنوب السودان.

ما يحدث الآن ليس مجرد تحول دبلوماسي عابر، بل إعادة هندسة كاملة للمشهد الإقليمي. تحالف جديد يتشكل بصمت، محوره مصر والسعودية وتركيا والسودان، هدفه تفكيك المشروع الإماراتي الذي أطال أمد الحرب وضاعف معاناة الشعب السوداني. وبدأ التنفيذ فعلاً: إغلاق أجواء، تضييق بحري، قطع بري. الأمل يتجدد بأن قطع هذه الخطوط قد يفتح الطريق أخيراً نحو وقف النزيف ووقف إطلاق النار وعودة الملايين من النازحين إلى ديارهم.

استدعاء السيسي لخليفة حفتر في ديسمبر الماضي بحضور مدير المخابرات المصرية، كان نقطة تحول حاسمة. المعلومات المسربة تشير إلى أن القاهرة وضعت أمام حفتر خيارين: إما وقف تدفق السلاح عبر الأراضي الليبية فوراً، وإما مواجهة عواقب وخيمة. الرسالة كانت واضحة، ومصدرها لم يكن القاهرة وحدها، بل واشنطن ترامب التي قررت أن إنهاء الحرب السودانية بات أولوية استراتيجية. البوابة الليبية التي كانت تضخ السلاح والمرتزقة باتت تُغلق، والممر الغربي الذي أطال أمد المعاناة الإنسانية بات مقطوعاً.

في الصومال، كانت التحركات أكثر دقة. الإمارات التي استثمرت بكثافة في موانئ بربرة وبوصاصو استخدمتها لسنوات كنقاط عبور للسلاح. لكن التقارب التركي الصومالي، والدور المصري المتزايد في القرن الإفريقي، بدأ يقلب المعادلة. تركيا التي تمتلك أكبر قاعدة عسكرية لها في أفريقيا بمقديشو، تنسق الآن مع مصر والسعودية لمراقبة تحركات الشحنات المشبوهة. السفن التي كانت تبحر بحرية باتت تحت المراقبة المشددة، والبحر الأحمر بات تحت سيطرة تحالف يراهن على وقف تدفق السلاح كخطوة أساسية لإنهاء الحرب.

في تشاد، الدولة التي كانت الممر الأسهل لتدفق المرتزقة والسلاح إلى دارفور المنكوبة، بدأت الأمور تتغير. الضغوط الفرنسية والأميركية على نجامينا تتزايد، والسعودية فتحت قنوات مباشرة مع الحكومة التشادية، عارضة حزماً اقتصادية مقابل إغلاق الحدود. التقارير الميدانية من دارفور تشير إلى تراجع ملحوظ في تدفق الإمدادات من الجانب التشادي، وهو ما يعني أن الضغط على المليشيا المسؤولة عن أبشع الانتهاكات ضد المدنيين بدأ يؤتي ثماره.

البوابة الجنوبية عبر جنوب السودان كانت الأكثر حساسية. التنسيق المصري السعودي الأوغندي الكيني بدأ يضيق الخناق على عمليات التهريب. شبكات تهريب الذهب التي تمول الحرب وتطيل أمد معاناة المدنيين تُفكك تدريجياً. الحصار يكتمل من الجنوب كما من الغرب والشرق، والأمل يتزايد بأن جفاف منابع التمويل والتسليح قد يجبر أطراف النزاع على الجلوس إلى طاولة المفاوضات.

حين حركت الإمارات قوات المجلس الانتقالي نحو حدود السعودية في حضرموت والمهرة، ظنت أنها تفتح جبهة تشغل الرياض عن السودان. لكن الرد السعودي كان حاسماً. غارات جوية على ميناء المكلا، ومهلة أربع وعشرين ساعة لخروج القوات الإماراتية، وبيان قاسٍ وصف التحركات الإماراتية بأنها بالغة الخطورة. هذا الخلاف العلني كشف للعالم أن الرباعية الدولية انقسمت، وأن محوراً جديداً يتشكل هدفه الأساسي وقف الحرب التي أودت بحياة أكثر من أربعمائة ألف إنسان وشردت اثني عشر مليون مواطن.

مصر هي العمود الفقري لهذا التحالف. القاهرة التي أعلنت أن استقرار السودان جزء من أمنها القومي، تتحرك بحزم. زيارات وزير الخارجية السعودي المتكررة إلى القاهرة، واللقاءات المطولة، كانت تضع استراتيجية موحدة. الهدف ليس الانحياز لطرف ضد آخر، بل وقف تدفق السلاح الذي يطيل أمد الحرب ويمنع عودة المواطنين إلى ديارهم.

تركيا دخلت أيضاً على الخط، منسقة مع مصر والسعودية. المعلومات الاستخباراتية التركية عن تحركات الشحنات العسكرية باتت تُشارك مع الشركاء. الهدف واحد: تجفيف منابع الحرب لإجبار الأطراف على التفاوض.

دخول ترامب غيّر المعادلة. الرئيس الأميركي أصبح مقتنعاً بضرورة إنهاء الحرب، وواشنطن التي تملك نفوذاً كبيراً، سمحت بصفقات السلاح مقابل التزامات بعدم تمدد النفوذ الروسي والإيراني على البحر الأحمر. الصفقة في جوهرها تهدف لإنهاء الحرب التي دمرت البلاد.

على الأرض، بدأت مؤشرات التغيير تظهر. تراجع وتيرة القصف يعني معاناة أقل للمدنيين. نقص المرتزقة يعني احتمالات أكبر للتفاوض. كل هذه المؤشرات تبشر بأن الحرب قد تقترب من نهايتها، وأن الملايين من النازحين قد يتمكنون أخيراً من العودة إلى ديارهم.

الإمارات التي استثمرت مليارات الدولارات في دعم المليشيا المسؤولة عن أفظع الانتهاكات، تجد نفسها في مأزق. ليبيا مقفلة، الصومال تحت المراقبة، تشاد تتراجع، جنوب السودان يضيق الخناق. المشروع الذي أطال أمد معاناة الشعب السوداني يتهاوى، والأمل يتجدد.

ما يحدث اليوم هو محاولة جادة لإنهاء الحرب عبر قطع خطوط الإمداد. التحالف الذي تشكل بصمت، يراهن على أن جفاف منابع السلاح والتمويل كفيل بإجبار الأطراف على التفاوض. الهدف ليس انتصار طرف على آخر، بل وقف النزيف ووقف النار وعودة المواطنين. المشروع الإماراتي الذي دمر البلاد يتهاوى، والأمل في السلام يتجدد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى