حين يصير الموت رفيق القرار: رسائل الغياب في مشهد الدولة والمجتمع

محمد عثمان الرضي يكتب…
تربطني علاقة خاصة بشاب اختار مهنة لا يقترب منها كثيرون، مهنة تضعه يوميًا على تماس مباشر مع النهاية، حيث يداوم على تشييع الموتى وحفر المقابر، في صمت يشبه الحكمة وفي حضور يختزل معنى الحياة.
هذا الشاب لا يراه الناس طويلًا، لكنه يراهم جميعًا في لحظة واحدة، لحظة الرحيل التي توحد بين الكبير والصغير، والمسؤول والمواطن العادي.
بالأمس، وخلال مراسم تشييع مدير قوات الجمارك السابق الفريق شرطة حسب الكريم آدم النور، شدني حديث جانبي جمعني به، حديث لم يكن عابرًا ولا عاطفيًا، بل كان تذكيرًا صريحًا بالمصير المحتوم.
قال لي بنبرة هادئة: “يا أستاذ، أنا حاجز ليك مقبرة ناصية، وممكن تستعين بأعز أصدقائك للنوم بجوارك”.
لم أجد في حديثه قسوة ولا سخرية، بل صدقًا مجردًا من التزييف، فشكرته على هذا الشعور الغريب في طيبته، وافترقنا ونحن أكثر تصالحًا مع فكرة الموت.
في ذات اليوم، تابعت زيارة رئيس الوزراء كامل إدريس إلى منزل الراحل الفنان عبد القادر سالم، زيارة حملت في ظاهرها واجب العزاء، وفي باطنها أكثر من دلالة.
اللافت في المشهد لم يكن فقط حضور رئيس الوزراء، بل وجود ذات الشاب، متعهد القبور المعروف بـ“درما”، الذي اعتاد مرافقة الموتى في رحلتهم الأخيرة.
ظهور “درما” إلى جوار رئيس الوزراء في زيارة اجتماعية لرمز فني، فتح باب التساؤلات حول الرسائل غير المنطوقة التي تحملها الصورة.
فالمشهد لا يمكن قراءته باعتباره صدفة عابرة، بل كإشارة رمزية عميقة إلى أن الموت حاضر في وعي صانع القرار، مهما علت المناصب وتشعبت المسؤوليات.
أن يصطحب رئيس الوزراء، ولو معنويًا، من يذكره بالموت، فذلك يعكس إدراكًا صامتًا لهشاشة السلطة وزوال الامتيازات.
هي رسالة تقول إن الحكم لا يعفي من النهاية، وإن الكرسي مهما طال عمره يظل أقرب إلى القبر مما نتصور.
في واقع سوداني مثقل بالحروب والفقد، أصبحت أخبار الوفاة جزءًا من يومياتنا، لا تميز بين مسؤول ومواطن، ولا بين قائد ورمز ثقافي.
معدلات الوفيات، لا سيما وسط القيادات والرموز وكبار القادة والسياسيين، تشهد تزايدًا لافتًا، وكأن البلاد تعيش سباقًا مفتوحًا مع الغياب
هذا التزايد فرض على المجتمع حالة دائمة من استذكار الموت، لا بوصفه فاجعة فقط، بل كحقيقة ملازمة للحظة الوطنية الراهنة.
في بورتسودان، يردد صديقي متعهد القبور عبارته المحفوظة كلما التقينا: “يا أستاذ، جاي متين لبيتك الناصية؟”.
أجيبه دائمًا بذات اليقين البسيط: “الآجال بيد الله، وكل نفس ذائقة الموت”، فأبتسم ويبتسم، وكأننا عقدنا هدنة قصيرة مع الخوف.
هذه الحوارات التي قد تبدو للبعض ثقيلة، أصبحت عندي مدخلًا للتأمل لا للجزع، وللمراجعة لا للهلع.
الموت في السودان لم يعد حدثًا استثنائيًا، بل صار مشهدًا يوميًا يفرض نفسه على الخطاب العام والسياسي والاجتماعي.
دعوات التأبين لا تنقطع، ومجالس العزاء تكاد تتجاور زمنيًا، حتى باتت جزءًا من جدولنا اليومي.
في كل مرة نودع اسمًا جديدًا، نكتشف كم نحن قريبون من الحافة، وكم نحن بحاجة إلى إعادة ترتيب أولوياتنا.
ربما لهذا السبب لم يكن وجود “درما” في محيط رئيس الوزراء أمرًا عاديًا، بل مشهدًا مكثفًا بالدلالات.
فالدولة التي تحيطها الأزمات تحتاج إلى من يذكر قادتها بأن الزمن محدود، وأن القرارات المؤجلة قد لا تجد وقتًا للتنفيذ.
استحضار الموت ليس دعوة للتشاؤم، بل تحريض على المسؤولية، وعلى العدل، وعلى اختصار الطريق نحو ما ينفع الناس
حين يتذكر المسؤول الموت، قد يتواضع القرار، وقد يلين الخطاب، وقد تصبح خدمة الناس أولوية لا شعارًا.
الموت، في جوهره، معلم صامت لا يخطب ولا يجادل، لكنه يضع الجميع على خط واحد.
والمفارقة أن من يحفر القبور قد يكون أصدق من يذكرنا بقيمة الحياة.
في زمن تتكاثر فيه الجنائز، يصبح السؤال ليس متى نموت، بل ماذا نترك خلفنا.
هل نترك أثرًا، أم مجرد أسماء على شواهد باردة؟
المشهد السوداني اليوم يحتاج إلى هذا النوع من الوعي، وعي النهاية لا لشلّ الحركة، بل لتسريع الإصلاح.
فالموت، حين يحضر في المخيلة العامة، قد يكون آخر ما تبقى لنا من بوصلة أخلاقية.
نسأل الله حسن الخاتمة، وأن يجعل ذكر الموت باعثًا للحكمة لا سببًا لليأس.



