تركيا والسودان… شراكة استراتيجية تتجاوز التاريخ نحو آفاق أوسع

محمد عثمان الرضي يكتب…
أقامت منظمة رابطة الشعوب، بقيادة الفريق أمن عمر نمر رئيس المنظمة، منتدى العلاقات السودانية التركية، اليوم الأحد، بمنتجع الربوة بمدينة بورتسودان، في خطوة عكست إدراكًا عميقًا لأهمية الدبلوماسية الشعبية في دعم العلاقات الخارجية وتعزيز المصالح المشتركة.
المنتدى جاء وسط حضور جماهيري وإعلامي حاشد، تقدمه سفير دولة تركيا لدى السودان السفير الفاتح يلدز، وسفير السودان لدى تركيا السفير نادر يوسف، إلى جانب عدد من القيادات الرسمية والمجتمعية والمهتمين بالشأن الدبلوماسي.
شكّل هذا الحضور الرفيع مؤشرًا واضحًا على متانة العلاقات بين الخرطوم وأنقرة، وعلى الاهتمام المتبادل بإعادة ترتيب أوراق التعاون في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة.
المنتدى مثّل فرصة ذهبية للتفاكر الجاد حول سبل توطيد العلاقات السودانية التركية، وفتح مسارات جديدة للتعاون، خاصة في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والثقافية والإنسانية.
شهدت جلسات المنتدى مداخلات ثرّة وقيمة من العلماء والمختصين، الذين تناولوا أبعاد العلاقات الثنائية من زوايا تاريخية وسياسية واقتصادية، واضعين أمام الحضور تشخيصًا واقعيًا للتحديات والفرص.
في كلمته، أشار سفير السودان لدى تركيا السفير نادر يوسف إلى أن حجم التبادل التجاري والمصالح المشتركة بين البلدين لا يزال دون مستوى الطموح، وهو تصريح أثار العديد من التساؤلات والاستفهامات المشروعة.
هذا الحديث فتح الباب واسعًا أمام نقاش موضوعي حول أسباب ضعف التبادل التجاري مقارنة بالإمكانات الكبيرة التي يمتلكها البلدان، وحجم الفرص غير المستغلة حتى الآن.
العلاقات السودانية التركية علاقات قديمة ومتجذرة، تمتد عبر قرون من التواصل الإنساني والثقافي والحضاري، ما يجعل من الطبيعي أن تكون أكثر عمقًا وتأثيرًا في حاضر البلدين ومستقبلهما.
التاريخ المشترك بين السودان وتركيا لم يكن يومًا عابرًا، بل شكّل أساسًا متينًا لبناء الثقة والتعاون، وهو ما يتطلب اليوم ترجمة هذا الإرث إلى شراكات عملية ملموسة.
تركيا تُعد من الدول ذات المواقف الواضحة والداعمة للسودان في مختلف المحافل، سواء على المستوى الأمني أو السياسي أو الدبلوماسي، وهو ما أكسبها تقديرًا خاصًا لدى الشعب السوداني.
المواقف التركية خلال الأزمات التي مر بها السودان لم تكن رمزية، بل اتسمت بالوضوح والدعم العملي، الأمر الذي عزز من صورة أنقرة كشريك موثوق.
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يولي ملف السودان اهتمامًا خاصًا، ويضعه ضمن أولويات السياسة الخارجية التركية، إدراكًا لأهمية السودان الاستراتيجية في المنطقة.
هذا الاهتمام انعكس في تسخير تركيا لإمكاناتها الإقليمية والدولية لخدمة قضايا السودان، ودعم استقراره ووحدته وسيادته.
ومن المواقف الإنسانية التي تركت أثرًا عميقًا في وجدان الشعب التركي، مشاركة قوات الدفاع المدني السودانية بقيادة الفريق شرطة عثمان عطا مصطفى في كارثة الزلزال التاريخية التي ضربت تركيا.
تلك المشاركة لم تكن مجرد واجب مهني، بل رسالة إنسانية قوية جسدت عمق الروابط بين الشعبين، وسُجلت في ذاكرة الأتراك كموقف لا يُنسى.
العلاقات بين الشعوب كثيرًا ما تتجاوز الحسابات السياسية، وهذا ما أثبتته تلك اللحظات الصعبة التي توحدت فيها المشاعر قبل المصالح.
السفير التركي لدى السودان السفير الفاتح يلدز يُعد من أكثر السفراء نشاطًا وحضورًا في الساحة السودانية، حيث يتميز بحيوية لافتة وتواصل دائم مع مختلف مكونات المجتمع.
حضوره المتواصل في المناسبات الاجتماعية والرسمية أكسبه احترامًا واسعًا، وجعل من السفارة التركية نقطة تواصل فاعلة مع الشارع السوداني.
هذا النشاط الدبلوماسي يعكس حرص تركيا على بناء علاقات إنسانية قبل أن تكون رسمية، وهو نهج أثبت نجاحه في تعزيز الثقة المتبادلة.
منظمة رابطة الشعوب لعبت دورًا رائدًا في مجال الدبلوماسية الشعبية، وأسهمت في إحداث اختراقات حقيقية في مسار العلاقات الخارجية للسودان.
المنظمة عملت على حفظ حقوق ومواقف السفارات والدول التي وقفت مع السودان في معركة الكرامة، وساهمت في توثيق تلك المواقف وإبرازها.
كما أبلت بلاءً حسنًا في إيصال صوت الشعب السوداني إلى هذه الدول، معبرة عن تطلعاته وشكره لمواقف الدعم والمساندة.
المنتدى أكد أن الدبلوماسية الشعبية أصبحت اليوم شريكًا أصيلًا للدبلوماسية الرسمية، وليست مجرد نشاط مكمل.
إعادة تنشيط العلاقات السودانية التركية تتطلب إرادة سياسية واضحة، ورؤية اقتصادية مشتركة تستثمر في الزراعة والصناعة والبنية التحتية.
كما تحتاج إلى تفعيل الاتفاقيات السابقة، وتوقيع شراكات جديدة تواكب متغيرات المرحلة.
تركيا بما تملكه من خبرات صناعية وتقنية يمكن أن تكون شريكًا مهمًا في إعادة الإعمار والتنمية في السودان.
وفي المقابل، يمتلك السودان موارد طبيعية وبشرية ضخمة تمثل فرصًا واعدة للاستثمار التركي.
المنتدى بعث برسالة واضحة مفادها أن العلاقات بين الخرطوم وأنقرة قادرة على الانتقال من مرحلة المجاملات إلى مرحلة المصالح الاستراتيجية.
وأن المستقبل يحمل آفاقًا واسعة لشراكة حقيقية تقوم على الاحترام المتبادل والمنافع المشتركة.
ختامًا، فإن إبراز الدور التركي الداعم للسودان ليس مجرد توثيق لمواقف، بل دعوة صادقة لتعميق هذه الشراكة بما يخدم الشعبين ويعزز الاستقرار في المنطقة.



