مقالات

الدلنج من فكّ الحصار إلى قلب معادلة الحرب غرباً

عصام ابومدينة يكتب …

لم يكن فك الحصار عن مدينة الدلنج مجرد واقعة عسكرية تُسجَّل في يوميات الحرب السودانية، بل لحظة فاصلة أعادت تعريف مسرح العمليات في غرب البلاد، وكسرت الجمود الاستراتيجي الذي فرضته الحرب على مدى أشهر. فالدلنج، بما تختزنه من قيمة جغرافية وعسكرية، لا تُختزل في كونها مدينة صامدة، بل تمثل عقدة تحكم رئيسية تربط بين كادوقلي، مركز القرار السياسي في جنوب كردفان، وبين الأبيض التي تشكّل القلب الاقتصادي والعسكري لغرب السودان. ومن هذا المنظور، فإن ما جرى في الدلنج هو إعلان غير مباشر عن بداية إعادة هندسة معادلة الحرب غرباً، لا مجرد انتصار تكتيكي محدود الأثر.

تكمن دلالات هذا التحول في أنه أعاد الاعتبار لمنطق السيطرة على المسارات لا الاكتفاء بالدفاع عن النقاط فقط، إذ إن الدلنج لم تكن يوماً معزولة عن محيطها الاستراتيجي، بل ظلت مرتبطة عضوياً بشريان الإمداد القادم من الأبيض. غير أن هذا الشريان يظل هشّاً ما لم يُؤمَّن من منبعه الشمالي عبر مدينة بارا، التي تمثل بوابة الأبيض وحارسها المتقدم، والمفتاح الحاسم لطريق الصادرات القومي الممتد من الخرطوم وحتى دارفور. فبارا ليست مجرد مدينة مأهولة بالسكان، بل نقطة التقاء تتقاطع عندها خطوط الاقتصاد والحرب واللوجستيات، ومن يملك السيطرة عليها يملك القدرة على خنق أو إنعاش غرب السودان بأكمله.

ومن زاوية الرؤية أخرى، لم تبدأ معركة الدلنج عند تخومها الجنوبية، بل بدأت من الشمال، من ضرورة تأمين الأبيض عبر بارا أولاً. فاستعادة السيطرة على بارا تعني عملياً ضمان تدفق الإمداد العسكري واللوجستي للقوات المسلحة والمساندة دون انقطاع، وتحويل الأبيض من مدينة مهدَّدة بالحصار إلى مركز ارتكاز عملياتي قادر على ضخ القوة جنوباً لتصل إلى كادقلي وشمالاً وغرباً نحو تخوم دارفور. وعند هذه النقطة، تتحول الدلنج من مدينة كانت تدافع عن بقائها إلى منصة انطلاق صلبة تُعيد رسم خطوط النار وتفرض واقعاً ميدانياً جديداً تختنق من خلاله مليشيا الدعم السريع والحركة الشعبية (جناح الحلو) التي تساند المليشيا.

وعند إسقاط هذا الواقع على خارطة الصراع الأوسع، يتضح أن إحكام القبضة على المثلث الاستراتيجي بارا–الأبيض–الدلنج وصولاً الى الخوي والنهود غرباً يشكّل ضربة قاصمة لخطوط إمداد قوات الدعم السريع، التي اعتمدت خلال مراحل الحرب السابقة على مبدأ المناورة بالخطوط الداخلية لنقل العتاد والمقاتلين من دارفور إلى جبهات كردفان.

 

إن تأمين طريق الصادرات وقطع هذا الممر الحيوي يعني فعلياً شلّ قدرة المليشيا على الحركة، وحرمانها من المرونة العملياتية وهذا يعني انهيار المليشيا وسهولة الانقضاض عليها ومحوها من خارطة البلاد.

 

وفي هذا السياق، فإن التوجّه غرباً لا يمكن فهمه كخيار عسكري مرحلي فقط، بل كضرورة تفرضها حقائق الجغرافيا ومنطق الحرب الحديثة. ففتح خط الإمداد من الأبيض إلى الدلنج يؤسس لعمق جغرافي مؤمَّن يمتد من جبال النوبة حتى تخوم دارفور، ويعيد للجيش والقوات المساندة زمام المبادرة بعد مرحلة طويلة من الاستنزاف الدفاعي. وعندما تصبح طرق الإمداد مؤمّنة وتحت السيطرة الكاملة، تتحول المدن التي وقعت تحت قبضة التمرد إلى جيوب معزولة، محكومة إما بالسقوط العسكري التدريجي أو بالانهيار السياسي تحت ضغط العزلة.

وبالعودة يمكنناالقول إن معركة الدلنج ليست سوى الثمرة الأولى لصمود استراتيجي طويل، لكنها لن تبلغ معناها الكامل إلا بتحرير بارا وتأمين طريق الصادرات. فالقوات المسلحة والقوات المساندة لا يعيدوا اليوم رسم خطوط التماس فحسب، بل يعيدوا تعريف مفهوم النصر نفسه، إذ لم يعد الهدف حماية المدن داخل أسوارها، بل فرض السيادة الكاملة على الطريق. ومن بارا تبدأ هذه السيادة، وعبر الأبيض تُدار، وفي الدلنج تتجذر، لتفتح بوابة النهاية لحرب تُكتب فصولها الأخيرة من قلب كردفان نحو دارفور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى