الأعمدة ومقالات الرأيسياسية
أخر الأخبار

كتب محمد عثمان الرضي: غربلة صارمة في سوق العمرة… قرار سعودي يعيد رسم خريطة وكالات السفر

غربلة صارمة في سوق العمرة… قرار سعودي يعيد رسم خريطة وكالات السفر

 

كتب: محمد عثمان الرضي

جاء قرار وزارة الحج والعمرة بالمملكة العربية السعودية بإيقاف نشاط (1800) وكالة سفر خارجية من أصل (5800) وكالة عاملة في مجال العمرة كخطوة لافتة تعكس تحوّلًا واضحًا في منهج إدارة هذا القطاع الحيوي والحساس.

 

الوزارة منحت الوكالات الموقوفة مهلة زمنية لا تتجاوز عشرة أيام لتصحيح أوضاعها والالتزام بالمعايير والاشتراطات المعتمدة، في رسالة حازمة مفادها أن زمن العشوائية والتجاوزات قد ولّى.

 

هذا القرار لم يكن وليد لحظة أو رد فعل آني، بل جاء نتيجة عمل تحليلي دقيق استند إلى بيانات ومؤشرات أداء راكمتها الوزارة خلال فترة طويلة من المتابعة والتقييم.

 

وزارة الحج والعمرة السعودية باتت تعتمد على منظومة متكاملة في الرقابة والتقويم، تقوم على التخطيط المسبق، والتحليل الفني، وربط الأداء بالمخرجات على أرض الواقع.
وتحمل الوزارة مسؤولية بالغة التعقيد، فهي لا تدير قطاعًا خدميًا عاديًا، بل تشرف على تنظيم شعائر ومناسك دينية ترتبط بحقوق ملايين المسلمين حول العالم.

 

ومن هذا المنطلق، فإن أي خلل في أداء وكالات السفر ينعكس مباشرة على تجربة المعتمر، وقد يسيء إلى قدسية الشعيرة نفسها، وهو ما لا يمكن القبول به.

 

قرار الإيقاف يأتي أيضًا في سياق رؤية أشمل تهدف إلى تحسين جودة الخدمات، وضمان العدالة والشفافية، وحماية المعتمر من الاستغلال أو التقصير.

 

اللافت أن هذا القرار لا يستثني أحدًا، فوكالات السفر السودانية العاملة في مجال العمرة ليست بمعزل عنه، وهي مطالبة بالالتزام الكامل بالضوابط الجديدة.

 

الأمر لم يعد خيارًا أو مجالًا للاجتهاد، بل أصبح التزامًا صارمًا، ومن لا يواكب هذه الاشتراطات سيجد نفسه خارج دائرة المنافسة.

 

وتتضاعف أهمية هذا الالتزام مع اقتراب شهر رمضان المبارك، حيث يزداد الطلب على أداء العمرة، خاصة في العشر الأواخر التي تشهد كثافة غير مسبوقة.

أي تقصير أو خلل في هذه الفترة الحرجة ستكون كلفته عالية، ليس فقط على الوكالات، بل على المعتمرين الذين يدخرون أعمارهم ومواردهم لأداء هذه الشعيرة.

 

ومن الحقائق المغيبة عن شريحة واسعة من المواطنين، أن السفارة السعودية في السودان لا علاقة لها إطلاقًا بإجراءات الحج والعمرة.

 

فالسفارة لا تمنح تأشيرات العمرة ولا تصدر أذونات السفر، ولا تتدخل في تفاصيل هذا الملف، بعكس ما يروج له البعض.

 

كامل الملف يقع ضمن اختصاص وزارة الحج والعمرة السعودية، ويتم عبر مسارات إلكترونية وإجراءات واضحة وجداول زمنية محددة.

 

هذه الحقيقة تضع مسؤولية أكبر على عاتق وكالات السفر، التي يفترض أن تكون المصدر الأول للمعلومة الصحيحة والدقيقة.

 

فمن واجب الوكالات إطلاع المعتمرين على الإجراءات الفعلية، دون تضليل أو تحميل جهات أخرى مسؤولية التأخير أو التعقيد.

 

كما يجب على الوكالات تقديم صورة شفافة حول تكلفة الرسوم، ورسوم الخدمات، والإعاشة، والسكن، والترحيل من وإلى الأراضي المقدسة.

الوضوح في التكلفة لم يعد ترفًا، بل ضرورة أخلاقية ومهنية، تحفظ حق المعتمر وتمنع الاحتقان والشكاوى.

 

ويُؤمل ألا تنجرف بعض وكالات السفر السودانية نحو نهج ربحي مفرط، يقوم على المبالغة في الرسوم دون مراعاة للظروف الاقتصادية الصعبة.

فالعمره عبادة قبل أن تكون تجارة، وخدمة قبل أن تكون صفقة، وأي إخلال بهذا الميزان يفقد القطاع مصداقيته.

القرار السعودي يمثل فرصة حقيقية لإعادة ترتيب البيت من الداخل، ورفع مستوى الأداء، وتصحيح المسار قبل فوات الأوان.

 

وفي النهاية، تبقى الجودة، والالتزام، واحترام المعتمر، هي المعايير الحقيقية التي ستحدد من يبقى في ساحة المنافسة ومن يغادرها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى