الأعمدة ومقالات الرأي
أخر الأخبار

حكومة غرب كردفان تتحدى التقليد.. وحقيبة التربية في عين العاصفة

عصام أبومدينة يكتب…. في غمرة هذا المنعطف الوطني الجسيم، وبينما تخوض قواتنا المسلحة والقوى المساندة لها ملاحم الفداء في (معركة الكرامة)، ومع تباشير النصر التي لاحت بفك الحصار عن مدينتي الدلنج وكادقلي؛ جاء إعلان والي غرب كردفان اللواء ركن (م) حقوقي محمد آدم محمد جايد، عن تشكيل حكومته الجديدة أمس الأربعاء، ليمثل وثبة استراتيجية في توقيت بالغ الدقة. إن هذا القرار يتجاوز في جوهره الأطر الإدارية الراتبة، ليكون بياناً سيادياً يجسد إرادة الدولة في بسط هيبتها واستعادة فاعلية مؤسساتها، وتأكيداً على المضي قدماً في تطهير كامل تراب الوطن من دنس التمرد، وإدارة دفة غرب كردفان باقتدار وسط تلاطم أمواج الظروف الاستثنائية التي تعيشها الولاية.

 

​وكما هو شأن القرارات الكبرى، فقد صاحب هذا التشكيل حراكٌ واسع من التباين في وجهات النظر، إلا أن سهام النقد – من البعض – انصبت بشكل لافت على الخلفية الأكاديمية لوزير التربية والتوجيه الذي تم تعيينه مؤخراً، بحجة كونه (مهندساً) يطرق أبواب حقلٍ تربوي. وهي حجة – أراها – تفتقر إلى العمق التاريخي والواقعي في إدارة الدول؛ فالمقعد الوزاري في جوهره هو منصة قيادية تُدار بالرؤية الإدارية الثاقبة، لا بمحض التخصص الأكاديمي الضيق.

 

​إن الذاكرة السياسية السودانية، عبر مختلف عهودها، تحتشد بنماذج تجاوزت قيد التخصص لتثبت نجاعتها في (فن الإدارة)؛ ففي عهد حكومة الإنقاذ رأينا كيف أدار السيد بحر إدريس أبوقردة ملف الصحة وهو الإداري المتمرس، وكيف صاغ الأستاذ عبدالباسط سبدرات سياسات التربية والعدل بخلفيته القانونية والأدبية. كما لم يمنع تخصص طب الأسنان البروفيسور إبراهيم غندور من قيادة الدبلوماسية السودانية وزيراً للخارجية، ولا منعت هندسة الزراعة المهندس إبراهيم محمود حامد من تولي زمام وزارة الداخلية، وفي حكومة غرب كردفان أيضاً، برز الحضور النسائي بتولي الدكتورة آمنة إبراهيم عثمان حقيبة الصحة في أواخر عهد النظام السابق وهي في الأصل أكاديمية مرموقة وعضو هيئة تدريس بإحدى جامعات البلاد.

 

​هذا النهج لم يكن حكراً على نظام بعينه، ففي عهد (حكومة الفترة الانتقالية) تولى الأستاذ يوسف آدم الضي حقيبة الحكم الاتحادي والشباب والرياضة وهو المتخصص في الآداب. وإذا رجعنا إلى عهد (نظام مايو)، نجد تجربة اللواء خالد حسن عباس في وزارة الصحة كنموذج صارخ لانتصار العقل الإداري المنضبط على المسارات المهنية التقليدية.

 

بناءً على هذا الاستقراء، يُعد اختزال – البعض – لتعيين وزير التربية بغرب كردفان في مربع (التخصص) قراءةً مجتزأة لا تلامس الواقع؛ فالولاية لا تحتاج ترف التنظير، بل تفتقر إلى (هندسة إدارية) تعيد بناء المؤسسات من وسط الركام بذهنية تنفيذية، لتمهيد البساط لاهل غرب كردفان لما بعد تحريرها من مليشيا الدعم السريع المتمردة.

 

​وإذ نثني على قرار السيد الوالي، اللواء ركن (م) حقوقي محمد آدم جايد، نرى في هذا التكليف روحاً تُعلي من شأن (الكفاءة القيادية) وقدرتها على الصمود. نبارك للمكلفين هذه الثقة، سائلين المولى لهم السداد لخدمة إنسان الولاية، فالتاريخ لا يسأل عن (هوية المؤهل) بقدر ما يسأل عن (عظمة الإنجاز) في ساعة العسرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى