مقالات

رسالة إلى حكومة غرب كردفان : نازحو النهود من رصاص المليشيا وانتهاكاتها إلى جحيم المعسكرات

*في بريد مسؤول*

*كتبت د. فردوس عمر عثمان أبو مدينة*

أستاذ مشارك

منذ دخول المليشيا غرب كردفان ومن ثم النهود (مدينتي ومسقط راسي ومرتع صباي وملعبي)

لم يخرج نازحوها من ديارهم بحثا عن رفاه مفقود ولا هربا من ضيق العيش بل فروا من موت مسلح إلى حياة معلّقة بين الخوف والانتظار. خرجوا تاركين خلفهم البيوت والذكريات والممتلكات ليجدوا أنفسهم في

في معسكرات بالية رواكيبها مهترئة من القش والقماش البالي لا تقي حر ولا تصد برد، يقاس الحظ فيها بالجوع ويعلق الرجاء على سراب المفوضيات وعود ترى من بعيد ولا تمس، بينما الإنسان هناك يصارع العوز بصبر مر وكرامة مثقلة

فليس النزوح ملاذا بل ابتلاء ثقيل يضع ضمير الراعي أمام وجع الرعية ويمتحن معنى الأمانة

هو سؤال أخلاقي مفتوح : هل يقوم الراعي بواجبه في كفالة من استؤمن عليهم، أم تترك الرعية لمواجهة القسوة وحدها في وطن خلق ليحمي أهله قبل أن يدار

 

وما يعيشه نازحي الولاية اليوم هو محنة أخلاقية وسياسية تمس جوهر الحكم ومعنى الولاية وحدود الأمانة العامة.

قال الله تعالى :

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾

فالأمانة هنا إنسانا يحمى، وحقوق تصان ، وكرامة لا يجوز أن تترك فريسة للعجز أو تبادل الأعذار.

 

إلى والي ولاية غرب كردفان

قال النبي صلى الله عليه وسلم

«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» (متفق عليه)

 

فأين خطط التهيئة التي تحفظ للنازحين الحد الأدنى من الأمان والكرامة

وأين مراكز الإيواء التي تقيهم حر الصيف وبرد الشتاء؟

وأين التنسيق المؤسسي الذي يحول النداءات إلى استجابات والتقارير إلى أفعال؟

 

فالحكم الذي لا يرى في المعسكرات إلا أرقاما في جداول، يفقد روحه لأن الرعاية في أصلها رؤية للإنسان قبل الإحصاء.

 

إلى وزير التربية والتعليم

يبدو ان التعليم مستقبل مؤجل في خيام النزوح

في معسكرات نازحي النهود ولثمانية شهور مضت او زيادة يكبر الأطفال خارج أسوار المدارس وتتآكل أحلامهم قبل أن تتشكل .

قال الله تعالى:

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)

تعلمون أن عددا كبيرا من الطلبة قد توقف تعليمهم منذ العام 2023، وهو انقطاع لا يمكن التعامل معه كاثر جانبي عابر. كما يظل التساؤل مشروعا : لماذا لم تفعل المدارس المتنقلة في معسكرات النزوح :مثل معسكر العفاض والدبه وغيرها ضمانا لحقوق التعليم في أحلك الظروف

فأي وطن نرجوه إذا نشأ جيل كامل بلا فصول ولا معلمين ولا دفاتر؟

فحرمان الاطفال من التعليم هو تقصيرا إداريا وجناية على مستقبلهم لأن الجهل في زمن الأزمات يصنع أزمات أطول عمرا وأعمق أثرا

 

إلى وزير الصحة :

في بيئة النزوح لا ينتظر المرض ميزانيات ولا قرارات متأخرة.

قال النبي صلى الله عليه وسلم

«ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاء»

فأين المخيمات العلاجية؟

وأين الرعاية الصحية الأولية؟

وأين فرق الوقاية قبل أن تتحول حمى الضنك إلى أرقام وفيات، وسوء التغذية إلى مأساة صامتة؟

فالعلاج حق إنساني لا منحة، وواجب أخلاقي قبل أن يكون بندا في ميزانية.

 

إلى مفوضية العون الإنساني

قال الله تعالى :

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَتَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾

إن النازحين لا يحتاجون إلى مزيد من توصيف المأساة فهم يعيشون تفاصيلها كل صباح ومساء يحتاجون إلى عون يصل قبل أن يصبح بلا معنى وإلى استجابة تسبق البيانات وإلى شراكات حقيقية تنقذ الإنسان لا تجمل التقارير.

الواقع أبلغ من الكلمات

في معسكرات نازحي النهود حيث تفترش الأسر الأرض وتلتحف السماء ويطول انتظار الماء والغذاء والدواء، يُختبر معنى الدولة، وتقاس قيمة المسؤولية.

قال الله تعالى:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾

فالصمت عن المعاناة ليس حيادا بل موقف

والتأجيل المتكرر ليس سياسة بل ثمن يدفعه الضعفاء من صحتهم وأعمارهم وأحلام أطفالهم.

رسالة اخيرة لمسؤولو الولاية

لم يطلب نازحو الولاية والنهود بصفة خاصة المستحيل، بل طلبوا ألا يكون الهروب من الرصاص بداية عذاب آخر.

طلبوا حكومةً تحميهم لا صمتا يبرر .

ورعاية تنجز ، لا وعودا تؤجل.

قال النبي صلى الله عليه وسلم

«اتقوا دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب»

فأفيقوا قبل أن يسبق أنين طفل في خيمة كل تقاريركم إلى السماء

وقبل أن يكتب التاريخ أن قوما استجاروا من السلاح

فوجدوا في الانتظار موتا أبطأ وأقسى.

والله من وراء القسط

وهو يهدي السبيل

هذه مأساة نازحي الأبيض فقط هناك ولايات اخرى لم تضمن بعد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى