
متابعات ريام نيوز
كتب: محمد عثمان الرضي… لا تربطني بالشيخ الأمين أي معرفة شخصية سابقة، ولم يجمعني به لقاء أو تواصل من قريب أو بعيد، غير أنني كغيري من المتابعين رصدت تحركاته واطلعت على حديثه المتكرر عبر وسائل الإعلام، في مشهد فرضت متابعته طبيعة المرحلة وحساسية الظرف الذي تمر به البلاد.
يُحسب للشيخ الأمين، ولمحيطه من المحبين والمريدين، أنهم ثبتوا ورا بطوا في العاصمة القومية الخرطوم في وقتٍ هرب فيه كثير من الناس تحت وطأة الحرب وضراوة القتال، فكان البقاء حينها موقفاً شجاعاً لا يملكه إلا القليلون.
كما يُسجَّل له أنه فتح مسيده وداره لإيواء من تبقى من المواطنين الذين لم تتاح لهم فرصة النزوح إلى ولايات السودان المختلفة، فوجدوا فيه مأوى وطعاماً وكساءً في زمنٍ شحّت فيه الموارد وضاقت فيه سبل العيش.
غير أن ما أثار الاستغراب والقلق هو حديثه الأخير، الذي جاء مفعماً بنبرة استعلاء واضحة، وهو يسرد فضائله على الناس ويعدّد ما قدّمه لهم خلال سنوات الحرب، في خطابٍ غابت عنه روح الاحتساب وحضرت فيه لغة المنّ والتذكير.
إن أخطر ما قد يواجه أي عمل إنساني أن ينزلق من مقام الإحسان إلى ساحة الاستعراض،
فحين يتحول الفعل الخيري إلى خطابٍ متعالٍ، يفقد معناه الحقيقي ويتحوّل من عملٍ جامعٍ للقلوب إلى سببٍ في نفورها.
المنّ والأذى ليسا من صفات المؤمنين المخلصين، فالخير حين يُقدَّم ابتغاء وجه الله لا يُنتظر عليه شكر ولا يُطالَب مقابله بثناء، وما يخيف حقاً أن يدب في النفوس داء الرياء، ذلك الشرك الأصغر الذي يُحبط الأعمال ويُفرغها من قيمتها.
إن المحتاج، وهو في أقسى حالات ضعفه، لا ينتظر ممن أعانه أن يضعه موضع تذكير أو امتهان، فحفظ الكرامة جزء لا يتجزأ من الصدقة، بل هو جوهرها الأخلاقي الذي يرفعها من مجرد عطاء مادي إلى قيمة إنسانية عليا.
وفي أزمنة الحروب على وجه الخصوص، تختلط النوايا وتتشابك الأدوار، ويصبح لزاماً على من يتصدر المشهد العام أن يزن كلماته بميزان دقيق، لأن كلمة واحدة قد تهدم ما بناه فعلٌ امتد لسنوات.
أسلوب المنّ والتذكير الدائم بالفضل يتنافى مع أبسط مقومات الإيمان والإسلام، حيث تُبنى الأعمال على الإخلاص ويُحتسب الأجر عند الله وحده، في يومٍ لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.
ولا بد من التذكير بأن ما تحقق من إيواء وإعانة لم يكن لولا توفيق الله وعونه، وهو توفيق عجز عن بلوغه كثير من كبار رجالات المال والأعمال رغم ما يملكونه من إمكانات وقدرات.
ليس المطلوب إنكار الجهد أو التقليل من الدور، فالتقدير حق مشروع، لكن الفرق شاسع بين تقديرٍ يأتي طوعاً من الناس، وبين تذكيرٍ يُفرض عليهم فرضاً، فالأول يرفع صاحبه، أما الثاني فيضعه موضع مساءلة أخلاقية لا ضرورة لها.
إن أعظم الأعمال تلك التي تُنجز ثم تُترك لله بلا عدٍّ ولا إحصاء، وبلا انتظار للتصفيق أو الامتنان العلني، فالتاريخ لا ينسى، والضمير الجمعي شاهد، والله وحده أعلم بالنيات وأصدق في الجزاء.
النصيحة الخالصة للشيخ الأمين أن يعمل بصمت، وأن يبتعد عن الأضواء، وأن يترك أفعاله تتحدث عنه، فالإكثار من تعداد الفضائل يُفقدها معناها ويحيلها من رسالة إنسانية إلى عبء أخلاقي.
يبقى أن التاريخ قد سجّل للشيخ الأمين موقف الصمود والمرابطة في العاصمة القومية الخرطوم وهي تحت النيران والقصف المستمر، وهو شرف حقيقي لا يحتاج إلى منٍّ ولا تذكير، فالأعمال العظيمة تكفيها شهادتها الصامتة.



