سعادة القائد العام رئيس مجلس السيادة

د.فردوس عمر عثمان أبومدينة تكتب…
*أستاذ مشارك جامعة غرب كردفان*
*أزمة الهيكل الراتبي لأساتذة الجامعات : قراءة في المعنى والدلالة*
“3”
منذ ما يزيد على ستة أعوام ظل مطلب إجازة الهيكل الراتبي لأساتذة الجامعات السودانية حاضرا في واجهة النقاشات المهنية وغائبا عن دائرة القرار التنفيذي. وعلى الرغم من وضوح هذا المطلب، واستناده إلى دراسات فنية ومسوغات قانونية ومهنية مكتملة الأركان قامت بها لجنة أساتذة الجامعات السودانية وتمت إجازتها في مجلس الوزراء إلا أنه ما يزال عالقًا في مساحة رمادية بين الاعتراف الضمني بعدالته والعجز العملي عن إنفاذه.
هذه المفارقة تفرض إعادة النظر في طبيعة الأزمة ذاتها : هل نحن أمام تعقيد إداري عابر أم أمام نمط مستقر من التعامل مع التعليم العالي بوصفه قطاعا مؤجل الأولوية؟
إن الهيكل الراتبي في جوهره ليس مجرد أرقام أو امتيازات مالية بل هو تعبير صريح عن موقع الأستاذ الجامعي في سلّم القيم الوطنية وعن الكيفية التي تنظر بها الدولة إلى المعرفة والبحث العلمي ودور الجامعة في البناء المجتمعي. وعندما يتأخر إقراره لسنوات طويلة، فإن الرسالة التي تبعث– صراحة أو ضمنا– هي رسالة تقليل من شأن هذا الدور، مهما حسنت النوايا المعلنة.
لقد تعاقبت إدارات ووزارات وتغيّرت السياقات السياسية والاقتصادية، لكن الثابت الوحيد كان غياب الحسم. وهو غياب يصعب تفسيره في ظل توفر المقترحات، وتكرار الوعود واعتراف الجهات المختصة بعدالة المطالب. الأمر الذي يجعل من الصعب فصل هذا التعطيل عن ضعف الإرادة السياسية في تبني ملف التعليم العالي باعتباره أولوية استراتيجية لا تحتمل التسويف.
في المقابل وجد الأستاذ الجامعي نفسه في موقع بالغ الحساسية : فهو من جهة حامل لرسالة معرفية وأخلاقية تجعله متحفظا إزاء أساليب الضغط الخشنة ومن جهة أخرى متضرر مباشر من تآكل وضعه المعيشي والمهني. هذه المعادلة غير المتكافئة جعلت من عقلانية الأستاذ الجامعي سببا إضافيا لتجاهله، في مفارقة مؤلمة تُكافأ فيها الفوضى أحيانا بالاستجابة، ويقابل الانضباط بالإهمال.
ولا يمكن في هذا السياق إغفال دور إدارات الجامعات، التي كان يُنتظر منها أن تمثل خط الدفاع المؤسسي الأول عن هيئة التدريس. غير أن الأداء العام اتسم بالضعف والتردد، واقتصر في أحسن حالاته على مبادرات رمزية لم ترتقِ إلى مستوى التحدي، ولم تحدث اختراقا حقيقيا في جدار الأزمة. وهو ما أضعف الثقة في الدور الوسيط للإدارة الجامعية وعمّق شعور الأساتذة بالعزلة.
إن استمرار هذا الوضع لا يهدد فقط الاستقرار الوظيفي للأساتذة، بل ينعكس مباشرة على جودة التعليم واستدامة البحث العلمي، وقدرة الجامعات على الاحتفاظ بكفاءاتها. فهجرة العقول ليست حدثا طارئا ، بل نتيجة منطقية لسياسات الإهمال الممتد، وتجفيف متواصل لمقومات العمل الأكاديمي الكريم.
من هنا، يصبح الهيكل الراتبي قضية وطنية بامتياز، لا تخص فئة بعينها، بل تمس مستقبل أجيال كاملة. فالدولة التي تضعف فيها الجامعات تضعف فيها القدرة على التفكير النقدي، وعلى إنتاج الحلول، وعلى بناء مشروع نهضوي حقيقي.
إن المطلوب اليوم ليس مزيدًا من اللجان أو الوعود المؤجلة، بل قرار واضح يعيد الاعتبار للأستاذ الجامعي، ويؤسس لعلاقة صحية بين الدولة ومؤسسات التعليم العالي، علاقة تقوم على الاحترام، والعدالة، والإيمان بدور المعرفة في صناعة المستقبل.
وفي انتظار ذلك، تبقى وحدة الأساتذة، وتماسكهم المهني، ووضوح خطابهم، عناصر أساسية في حماية قضيتهم من التمييع والنسيان. فالحقوق المهنية لا تصان بالصمت الطويل، ولا تسترد بالتفرق، وإنما بالوعي الجماعي، والعمل المنظم، والتمسك بأدوات الضغط المشروعة حين تُغلق كل السبل الأخرى
وعليه فإن قضية الهيكل الراتبي لأساتذة الجامعات لا ينبغي أن تقرا بوصفها استجابة لمطلب فئوي آني بل باعتبارها خطوة إصلاحية أساسية تعيد التوازن إلى منظومة التعليم العالي، وتؤكد احترام الدولة لرسالتها المعرفية ولمكانة من يحملون عبء إنتاجها ونقلها.
وعليه، فإن التعاطي الجاد والمسؤول مع هذا الملف، واتخاذ قرار واضح وعادل بشأنه، لم يعد ترفا إداريا ولا خيارا مؤجلا بل ضرورة وطنية تمليها متطلبات الاستقرار الأكاديمي، وجودة التعليم، وصون ما تبقى من الكفاءات العلمية.
ثم إننا نأمل أن يجد هذا المطلب ما يستحقه من اهتمام عاجل، بما يليق بدور الأستاذ الجامعي، وبما ينسجم مع مسؤولية الدولة تجاه التعليم العالي بوصفه ركيزة لا غنى عنها لأي مشروع نهضوي مستدام.
والسلام على من اتبع الهدى
مع وافر الاحترام والتقدير



