الي سعادة / رئيسي مجلسي السيادة والوزراء – الموقرين

د.فردوس عمر عثمان أبومدينة تكتب…
*أستاذ مشارك* *جامعة غرب كردفان*
الي سعادة / رئيسي مجلسي السيادة والوزراء – الموقرين
إلى معالي / وزير وزارة التعليم العالي والبحث العلمي البروفيسور احمد مضوى _المحترم
*قضية لائحة شروط خدمة الأستاذ الجامعي والهيكل الراتبي إلى أين*”4″
لقد تابعتم الكتابات التي أثيرت فيها هذه القضية من زملاء المهنة بمؤسسات التعليم العالي وأرى أنها حق مشروع أصيل، تكفّله القوانين وتدعمه الحقوق المكفولة.
بدءا إذا صح أن اللجنة التي كوّنها السيد وزير التعليم العالي والبحث العلمي انحصرت ولايتها في النظر في “الدعم” دون التطرق الصريح إلى إجازة لائحة شروط الخدمة والهيكل الراتبي نفسه، فإن ذلك يقتضي وقفة موضوعية هادئة، لأن معالجة الأثر دون الأصل لا تنهي الأزمة بل تؤجلها.
إن الدعم بطبيعته إجراء إسعافي مؤقت، بينما اللوايح هى إطار مؤسسي دائم ينظم العلاقة المهنية ويعكس موقع الأستاذ الجامعي في سلّم الخدمة العامة. ومن ثمّ فإن حصر المعالجة في مسار الدعم وحده يُبقي جوهر القضية معلقًا، ويعيد إنتاج الحلقة ذاتها من الحلول الجزئية التي لا تصمد أمام الزمن.
واستنادًا إلى الطرح الموضوعي الذي بيّن الطبيعة القانونية لمسألة الهيكل الراتبي ولائحة شروط الخدمة، وما أثير حول الربط بين تطبيق الهيكل وتوريد الجامعات لمواردها الذاتية، فإن من الأهمية بمكان الانتقال من دائرة الجدل إلى تحديد المسؤوليات ووضع مسار تنفيذي واضح يستند إلى القانون ويحقق الاستقرار المؤسسي.
أولاً: حسم مسألة الجهة المسؤولة
بحسب ما هو منصوص عليه في التشريعات النافذة، فإن إقرار الهيكل الراتبي ولائحة شروط الخدمة تم على مستوى الدولة عبر سلطتها التشريعية، وعليه فإن مسؤولية التنفيذ هي مسؤولية الدولة ممثلة في أجهزتها التنفيذية، لا مسؤولية جهة بعينها داخلها.
ثانيوا : الانتقال من الاعتراف إلى القرار
لقد استقر الرأي على عدالة المطلب من حيث المبدأ، ولم يعد الخلاف فنيًا بقدر ما أصبح إجرائيًا. وعليه، فإن إصدار قرار تنفيذي صريح يعتمد الهيكل الراتبي ولائحة شروط الخدمة في صورتهما المجازة، مع تحديد تاريخ نفاذ واضح، يُعد خطوة حاسمة تنهي حالة التعليق بين الإقرار النظري والتعطيل العملي.
ثالثا :مقترح بإجازة مرحلية للهيكل الراتبي
في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، يمكن اعتماد إجازة مرحلية للهيكل الراتبي على مرحلتين أو ثلاث.
تُطبق المرحلة الأولى فورًا بنسبة محددة من الزيادات الممكنة، على أن تُستكمل بقية المراحل وفق جدول زمني مرتبط بتحسن الإيرادات أو توفر التمويل.
هذا الحل يحقق انفراجا جزئيا ويبعث برسالة طمأنينة لأعضاء هيئة التدريس بالجامعات دون إرهاق الخزانة العامة للدولة دفعة واحدة.
رابعا: فصل المسارات الفنية عن التعقيدات الإدارية
بما اأن اللائحة جاهزة من الناحية الفنية، تُرفع مباشرة للإجازة القانونية.
يُحال الجانب المالي من الهيكل الراتبي إلى تنسيق مباشر مع وزارة المالية لإجازته أو الاتفاق على تطبيق مرحلي له.
خامسا : اعتماد التنفيذ المرحلي للهيكل الراتبي
• إقرار مبدأ التطبيق المتدرج وفق الإمكانيات المتاحة.
سادسا : فك الارتباط بين الاستقلالية والتمويل
إذا كانت الجامعات وفق القانون مؤسسات ذات استقلالية، فإن ربط تنفيذ الهيكل الراتبي بتوريد مواردها الذاتية يستلزم – إن أُريد اعتماده – تعديلًا تشريعيًا صريحًا يُراجع تلك الاستقلالية ويعيد تعريف العلاقة المالية بينها وبين الدولة.
أما الإبقاء على الإطار القانوني الحالي، فيقتضي تنفيذ الهيكل عبر مخصصات عامة أو عبر آليات تمويل تنشئها الدولة صراحة، لا عبر اشتراطات غير منصوص عليها
سابعا : تحويل الاكتمال الإجرائي إلى قرار
القضية – بحسب ما استقر عليه الرأي – اكتملت من حيث الإجراءات الفنية ولم يتبقَّ سوى صدور القرار التنفيذي. وعليه، فإن المطلوب تحديد جدول زمني معلن لإصدار القرار، سواء بالتطبيق الكامل أو المرحلي، مع بيان آلية التمويل بوضوح، حتى لا تبقى المسألة رهينة التداول غير المنتج
ثامنا :تعزيز دور وزارة التعليم العالي
تضطلع الوزارة، بحكم اختصاصها، بمسؤولية المتابعة المؤسسية والضغط الإيجابي داخل أجهزة الدولة لتنفيذ القانون. ويتطلب ذلك خطابًا رسميًا موحدًا، مدعومًا ببيانات مالية دقيقة، ومرفوعًا عبر القنوات الدستورية إلى مجلس الوزراء، بوصفه الجهة المنوط بها تنسيق السياسات العامة.
تاسعا : ترسيخ مبدأ الشفافية
حسم الجدل الدائر حول ما إذا كان ثمة اشتراط رسمي بربط الهيكل بتوريد الموارد يقتضي بيانًا رسميًا واضحًا يحدد موقف الدولة وأجهزتها، حتى تُغلق مساحة الشائعات، ويُبنى النقاش على أساس مؤسسي لا على تداول غير موثق.
تاسعا : ميثاق استقرار أكاديمي مرحلي
يمكن التوافق على التزام متبادل يضمن استمرار واستقرار العملية التعليمية، مقابل جدول زمني مكتوب لاعتماد وتنفيذ الهيكل، بما يعيد بناء الثقة ويؤسس لعلاقة تقوم على المسؤولية المشتركة.
إن جوهر المسألة لم يعد في نقص الدراسات ولا في غياب المقترحات، بل في إرادة الحسم. والقرار في هذه اللحظة لا يُقرأ بوصفه استجابة لمطلب مهني آني، بل استثمارًا في استقرار الجامعة، وصونًا لما تبقى من كفاءاتها، وحمايةً لحق الأجيال القادمة في تعليم رصين.
عاشرا : تعزيز الحوار المؤسسي
الدعوة إلى مائدة مستديرة تضم ممثلين عن الوزارة ومديري الجامعات ولجنة أساتذة الجامعات (لاجسو )إلى توافق وطني حول أولويات المرحلة
والاتفاق على ميثاق التزام متبادل يضمن استقرار العملية التعليمية مقابل جدول زمني واضح لمعالجة المطالب
السادة الكرام،
إن جوهر المسألة ليس نزاعا بين مؤسسات الدولة، ولا صراعا حول مورد، بل اختبار لقدرة الدولة على تنفيذ ما أقرته بقانونها. فالهيكل الراتبي ليس زيادة عابرة ولكن منظومة معيارية تحافظ على التوازن المهني وتمنع التآكل المستمر للقيمة الاعتبارية لوظيفة الأستاذ الجامعي.
كما إن اتخاذ قرار واضح في هذا الملف، مقرونا بآلية تنفيذ محددة، سيعيد الثقة بين الدولة ومؤسساتها الأكاديمية، ويؤسس لعلاقة قائمة على احترام القانون واستقرار السياسات، ويبعث برسالة إيجابية مفادها أن التعليم العالي أولوية المؤسسات الوطنية وبه نهضت الأمم
ختاما:
إن قضية لائحة شروط الخدمة وإجازتها، بما تمثله من دستور منظم لشروط خدمة الأستاذ الجامعي، إلى جانب اعتماد الهيكل الراتبي، لا ينبغي أن تقرأ في إطار مطلب فئوي محدود، بل في سياقها الأوسع بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار الجامعات، وضمان جودة التعليم العالي في السودان، وصون بيئته الأكاديمية من الاضطراب والتآكل.
فانتظام العلاقة المهنية، ووضوح الحقوق والواجبات وعدالة البناء الهيكلي للأجور، كلها عناصر تسهم في ترسيخ الطمأنينة المؤسسية، وتمكين الأستاذ الجامعي من أداء رسالته في التعليم والبحث وخدمة المجتمع.
إن الحلول بالتأكيد ليست غائبة، وإنما تنتظر إرادة حاسمة، وتشاورا مسؤولًا، وتدرجا رشيدا في التنفيذ يراعي الواقع دون أن يفرّط في الأصل. ومتى ما توافرت هذه المقومات، تحوّلت القضية من عبءٍ مؤجل إلى خطوة إصلاحية مستحقة تعيد للجامعات مكانتها، وتؤسس لمستقبل أكاديمي أكثر استقرارا ونماء.
نسأل الله أن يوفقنا جميعا لما فيه خير السودان وصلاح حاله
وتفضلوا بقبول وافر الاحترام والتقدير.


