مقالات

كمبالا في قفص الاتهام… حين تتحول يوغندا إلى منصة لتلميع التمرد السوداني

محمد عثمان الرضي يكتب …

 

زيارة قائد مليشيا الدعم السريع المتمردة محمد حمدان دقلو إلى كمبالا لم تكن خطوة بروتوكولية عابرة، بل كانت طعنة سياسية مكتملة الأركان في خاصرة الدولة السودانية، ورسالة عدائية مباشرة لا لبس فيها.

 

أن تفتح يوغندا أبواب عاصمتها لزعيم مليشيا متهمة بارتكاب فظائع، فذلك يعني أنها اختارت الاصطفاف في معسكر التمرد، وتخلّت عن الحد الأدنى من الحياد الذي تفرضه قواعد الجوار والإقليم.

التحرك جاء بعد أن نجحت الدبلوماسية السودانية في تضييق الخناق على المليشيا إقليمياً ودولياً، فشعرت الأخيرة بأن الأرض تميد تحت أقدامها، فسارعت إلى البحث عن نافذة بديلة تتنفس منها سياسياً.

الملفت أن هذه الزيارة لم تكن لتتم لولا ضوء أخضر سياسي من أعلى مستويات الحكم في يوغندا، ما يجعل الدولة اليوغندية شريكاً مباشراً في محاولة إعادة تدوير التمرد.

استضافة حميدتي ليست عملاً إنسانياً ولا وساطة سلام، بل هي اصطفاف فج مع مشروع تفكيك الدولة السودانية وإضفاء شرعية زائفة على كيان مسلح خارج عن القانون.

يوغندا تدرك تماماً أن ما يسمى بالدعم السريع يخوض حرباً ضد الدولة السودانية، ومع ذلك اختارت أن تتجاهل هذه الحقيقة الصارخة وتمنحه منبراً سياسياً.

هذه الخطوة تمثل اعترافاً ضمنياً بما يسمى “حكومة المنفى” التي يحاول حميدتي تسويقها، في تحدٍ سافر لسيادة السودان ومؤسساته الشرعية.

 

في وقت تتحرك فيه الخرطوم لاستعادة موقعها داخل الاتحاد الأفريقي، تأتي كمبالا لتبعث برسالة معاكسة، وكأنها تعمل على تقويض أي جهد يعيد السودان إلى حضنه الأفريقي.

الزيارة لم تكن منفصلة عن السياق الإقليمي، بل جاءت كرد فعل مرتبك على النجاحات التي حققتها الخارجية السودانية في إقناع شركائها بعدالة موقف الدولة.

 

كما أن التحولات في مواقف بعض العواصم التي أعادت حساباتها تجاه المليشيا، دفعت الأخيرة إلى البحث عن حليف بديل يقبل لعب دور المنصة السياسية.

 

يوغندا، بهذا السلوك، وضعت نفسها في خانة الدول التي تتلاعب بملفات النزاعات لتحقيق مكاسب ظرفية، غير عابئة بكلفة ذلك على استقرار المنطقة.

 

استقبال وفد متمرد يحمل السلاح في وجه دولته لا يمكن تفسيره إلا كعمل عدائي يتجاوز حدود المجاملات الدبلوماسية إلى مربع التآمر السياسي.

 

إن ما حدث في كمبالا ينسف أي ادعاء بالحياد، ويكشف انحيازاً واضحاً ضد الحكومة الشرعية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان.

 

الخطوة اليوغندية تمثل سابقة خطيرة في الإقليم، لأنها تفتح الباب أمام شرعنة المليشيات كفاعلين سياسيين، وهو نهج يقوّض أسس الدولة الوطنية في أفريقيا.

 

الرسالة التي بعثت بها كمبالا إلى الخرطوم ليست رسالة صداقة، بل إشارة استفزاز سياسي مرفوضة جملة وتفصيلاً.

 

السودان الذي يخوض معركة وجود ضد التمرد، لن يقبل بأن تتحول عاصمة أفريقية إلى غرفة عمليات سياسية لتلميع خصومه.

 

داخل أروقة مجلس السيادة ومجلس الوزراء، تدور مشاورات مكثفة لبحث الرد المناسب، بما يحفظ كرامة الدولة ويضع حدوداً واضحة لهذا الانفلات الدبلوماسي.

 

الخيارات مفتوحة، من استدعاء السفير إلى تجميد العلاقات، وصولاً إلى خطوات تصعيدية تتناسب مع حجم التجاوز.

 

يوغندا مطالبة بتفسير واضح ومباشر: هل اختارت أن تكون وسيط سلام أم منصة تمرد؟ لأن الجمع بين الأمرين ضرب من العبث السياسي.

استقرار السودان ليس ملفاً للمساومة أو الابتزاز، وأي محاولة لاستغلال أزمته ستنعكس سلباً على الإقليم بأسره.

 

التاريخ لن يرحم الدول التي راهنت على المليشيات ضد الجيوش الوطنية، وتجارب المنطقة شاهدة على أن اللعب بالنار يحرق أصابع الجميع.

 

كمبالا اليوم أمام اختبار أخلاقي وسياسي حاسم، فإما أن تنحاز لمنطق الدولة والقانون، أو تواصل السقوط في مستنقع دعم التمرد.

 

الخرطوم لن تصمت على هذا الانحياز الفاضح، ولن تسمح بتمريره كأمر واقع تحت أي ذريعة.

 

إنها لحظة فرز مواقف، ومن يضع يده في يد المتمرد، عليه أن يتحمل تبعات هذا الخيار بلا مواربة.

يوغندا اختارت أن تدخل المشهد من بوابة الأزمة، وعليها أن تدرك أن السودان ليس ساحة مستباحة، وأن كلفة الاستهانة بسيادته ستكون سياسية ودبلوماسية بامتياز.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى