مقالات

عماد عدوي… دبلوماسية المسؤولية وجسور الثقة بين الخرطوم والقاهرة

محمد عثمان الرضي يكتب…

 

تشرفتُ يوم الأحد الموافق الثاني والعشرين من فبراير 2026، الرابع من رمضان 1447هـ، بزيارة مقر سفارة جمهورية السودان لدى جمهورية مصر العربية بالتجمع الخامس، في موقع يعكس تحوّلاً نوعياً في بيئة العمل الدبلوماسي والخدمات القنصلية.

هناك التقيتُ بسفير السودان لدى القاهرة، السفير عماد عدوي، في أول لقاء مباشر يجمعني به داخل مكتبه بمقر السفارة، بعد سلسلة من الكتابات التي تناولت أداء البعثة خلال الفترة الماضية.

منذ اللحظة الأولى، بدا واضحاً أن الرجل يتعامل مع العمل العام بعقل مؤسسي؛ إذ حرص على حضور الملحق الفني للاجتماع، في خطوة تعكس إيمانه بالعمل الجماعي والشفافية وتكامل الأدوار داخل البعثة الدبلوماسية.

السفير عدوي يتميز بهدوء لافت، هدوء الواثق لا برود المتحفّظ، ويجيد الاستماع باهتمام، ويمنح محدثه كامل المساحة لعرض رؤيته، في سلوك دبلوماسي رفيع يعكس خبرة طويلة في إدارة الملفات الحساسة.

دخلتُ اللقاء وأنا أتصور أن انتقاداتي السابقة ربما تركت أثراً سلبياً، غير أنني وجدت أمامي مسؤولاً يتعامل مع النقد باعتباره جزءاً أصيلاً من معادلة الأداء العام.

أبدى السفير ملاحظات موضوعية على ما كُتب، مؤكداً إيمانه العميق بدور الإعلام كشريك في البناء، ومحذراً في الوقت نفسه من خطورة توظيفه خارج سياقه المهني والوطني.

 

ردد بثقة: “لا أستفز ولا أغضب مما يُكتب عني، وأحترم كل وجهات النظر”، مضيفاً أن اتساع مساحة النقد دليل على اتساع مساحة التوقعات والطموح، وهي رؤية تعكس نضجاً سياسياً وإدارياً.

 

في سياق الحديث عن بيئة العمل، كان الانتقال من المقر القديم إلى المقر الجديد خطوة مفصلية؛ فالمبنى السابق لم يكن يواكب مكانة السودان ولا حجم الجالية.

 

أما المقر الحالي فجاء واسعاً ومجهزاً وفق معايير حديثة، بما يليق بدولة بحجم السودان وعلاقاتها التاريخية مع مصر.

صالات الانتظار أُعدّت بعناية، ومزودة بالخدمات الأساسية، مع مراعاة احتياجات كبار السن وذوي الإعاقة، في رسالة احترام واضحة لكل مراجع.

اللافت أن روح الفريق تسود بين العاملين، إذ يعمل الطاقم الإداري والقنصلي بتفانٍ واضح لتيسير معاملات المواطنين، خاصة في ظل الأعداد الكبيرة من السودانيين المقيمين في مصر.

طرحتُ على السفير قضية السودانيين الذين يتعرضون لمخالفات قانونية، ففاجأني بعرض تفصيلي لآلية متابعة إلكترونية دقيقة، تعمل على مدار الساعة لرصد الحالات والتنسيق بشأنها مع الجهات المختصة.

أكد أن السفارة لا تدخر جهداً في تقديم الدعم القانوني والإرشادي، مع التشديد على أهمية التزام المواطنين بقوانين الدولة المضيفة واحترام أنظمتها.

وشدد عدوي على أنه يقف على مسافة واحدة من جميع الصحفيين، ولا ينتمي إلى شللية أو تيار، قائلاً: “أنا سفير لكل السودانيين”، في تعبير يعكس فهمه الشامل لطبيعة موقعه.

وأوضح أن مهمته الأساسية هي توطيد العلاقات السودانية المصرية، والعمل على تعزيز المصالح المشتركة بين البلدين في مختلف المجالات.

كما أشار إلى أن خدمة ما يقارب ستة ملايين سوداني لجأوا إلى مصر خلال فترة الحرب مسؤولية وطنية وإنسانية يعتز بها، ويعتبرها أولوية في عمله اليومي.

السفير عدوي ليس دبلوماسياً تقليدياً فحسب، بل هو أحد كبار ضباط القوات المسلحة السودانية؛ تخرّج في الكلية الحربية عام 1978 في عهد الرئيس الراحل جعفر نميري، وكان الأول على دفعته.

تدرج في المناصب العسكرية حتى بلغ رتبة الفريق أول، وتولى رئاسة هيئة أركان الجيش السوداني، ما أكسبه خبرة قيادية وانضباطاً مؤسسياً انعكس بوضوح على أدائه الدبلوماسي.

وخلال الزيارة، لفت انتباهي الأداء المهني الراقي لسكرتيرة السفير الأستاذة دعاء أحمد سالم، التي تمتلك خبرة تمتد لنحو عقد من الزمان داخل السفارة.

تعاملها المنظم، وحضورها الذهني، ودقتها في إدارة المواعيد والمكاتبات، يعكس صورة مشرقة للكادر الإداري السوداني في الخارج.

في شهر رمضان المبارك، لا يسعني إلا أن أحيي هذا الجهد الصامت الذي يبذله فريق العمل خلف الكواليس، فهم شركاء حقيقيون في نجاح أي بعثة دبلوماسية.

لا شك أن السفارة، كغيرها من المؤسسات العامة، تتعرض أحياناً لانتقادات وحملات تشكيك، بعضها مشروع وبعضها الآخر يفتقر إلى الدقة.

غير أن العمل العام بطبيعته لا يخلو من التحديات، والإنجاز الحقيقي يقاس بقدرة المؤسسة على التطوير والاستجابة للملاحظات.

غادرتُ مقر السفارة بانطباع مختلف، عنوانه أن الحوار المباشر يختصر كثيراً من المسافات، وأن الإنصاف يقتضي قراءة الصورة كاملة.

وفي ختام جولتي، التقيت برئيس جمعية الصحفيين السودانيين ونائب رئيس اتحاد الفنانين الأستاذ عادل الصول، الذي يواصل جهوده في خدمة الوسطين الصحفي والفني بروح تطوعية عالية.

تبقى الحقيقة أن العلاقات السودانية المصرية أكبر من الأفراد، لكنها تحتاج إلى رجال دولة يمتلكون الخبرة والهدوء والرؤية، وهي صفات وجدتها حاضرة بوضوح في تجربة السفير عماد عدوي، الذي يمضي بثبات لترسيخ جسور الثقة بين الخرطوم والقاهرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى