رؤية شرق أوسطية: انخراط حزب الله … هل يوسع دائرة الحرب في المنطقة؟

متابعات: ريام نيوز
مع تصاعد حدة الهجوم العسكري الأمريكي الإسرائيلي على إيران لليوم الثالث على التوالي، دخل حزب الله اللبناني على خط المعركة لدعم طهران، في خطوة قد تشجع فصائل أخرى حليفة للجمهورية الإسلامية على الانخراط، وتقود إلى “مواجهة إقليمية مفتوحة” تعيد رسم موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط بأسرها.
وأعلن حزب الله في وقت مبكر اليوم إطلاق صواريخ ومسيرات على إسرائيل، ردا على اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي.
وقال الحزب في بيان “دفاعا عن لبنان وشعبه وفي إطار الرد على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، استهدفت المقاومة الإسلامية.. بصلية من الصواريخ النوعية وسرب من المسيرات موقع مشمار الكرمل للدفاع الصاروخي التابع لجيش العدو الإسرائيلي جنوب مدينة حيفا المحتلة”.
وقبيل ذلك، أكد الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، الأحد في بيان نعى فيه خامنئي، بعد إعلان مقتله في الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، أن الحزب سيقوم بواجبه في “التصدي للعدوان”، و”لن يترك ميدان المقاومة” ومواجهة “الطاغوت” الأمريكي و”الإجرام” الإسرائيلي “مهما بلغت التضحيات”.
وردا على تحرك حزب الله، أعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، اليوم إطلاق “حملة عسكرية هجومية” ضده، مشددًا على ضرورة الاستعداد لـ”أيام عديدة من القتال”.
ويعد انخراط حزب الله في الحرب المتواصلة لليوم الثالث على التوالي، بمثابة “تحرك خارج الإجماع الوطني”، وفق مراقبين وخبراء عرب، رأوا أنه يحاول فتح جبهات جديدة للتأثير على زخم العمليات الأمريكية الإسرائيلية التي تستهدف إيران.
— انخراط مبكر لحزب الله .. فما دلالاته؟
وقال الباحث العراقي في العلاقات الدولية ناظم علي، لوكالة أنباء ((شينخوا)) إن دخول حزب الله إلى جانب إيران في معركتها ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، له دلالات داخلية وخارجية.
وأوضح علي، أن حزب الله يريد أن يثبت أنه مازال قويا في الداخل اللبناني ولديه القوة لفرض قراراته على الساحة اللبنانية، وأن يكون جزءا أساسيا في أية ترتيبات جديدة في لبنان بعد الضربات التي تلقاها من إسرائيل في الأشهر الماضية.
وأضاف، خارجيا، أراد حزب الله أن يثبت أن “وحدة الساحات” مازالت موجودة، وأنه لن يكون خارج الترتيبات والمعادلة الإقليمية كونه القوة القتالية والتنظيمية الأقوى في المنطقة، وأنه يستطيع فرض واقع جديد في الحرب القائمة، وهو أول حلفاء إيران الذي يدخل الحرب مبكرا، وهذا وحده يكفي لجر باقي الساحات إلى المشاركة ودعم الجمهورية الإسلامية.
وشاطره الرأي المحلل السياسي اليمني محمد الأحمدي، إذ رأى “أن دخول حزب الله إلى الحرب جزء من محاولة تكريس معادلة توحيد الجبهات ورفع كلفة المواجهة الإقليمية”.
وقال الأحمدي إن تدخل حزب الله يطرح إشكالية أساسية تتعلق بمن يملك قرار الحرب والسلم داخل الدولة اللبنانية، ويعيد التذكير بإشكالية استخدام الشعوب العربية كساحات صراع بالوكالة، خصوصًا عندما يُتخذ قرار مصيري خارج المؤسسات الشرعية للدولة.
ويعني دخول حزب الله في هذا الصراع “الارتهان الكامل لإشارات طهران بعيدا عن حسابات لبنان”، وفق الكاتب الصحفي السعودي أحمد الديحاني.
ورأى الديحاني “أن دخول لبنان في دائرة الاستهداف يعني تحول الحرب القائمة إلى بدايات حرب إقليمية، وهو ما ظهر أن طهران كانت تسعى إليه لرفع تكلفة الحرب” على الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.
بدوره، رأى أستاذ الدراسات الشرق أوسطية في جامعة تل أبيب عبد القادر كناعنة، أن قرار حزب الله بالانخراط في الحرب لا يُقرأ فقط كخيار استراتيجي أو رد سياسي، بل أيضًا كاستجابة لاعتبارات دينية عميقة.
كما أن إطلاق حزب الله الصواريخ على إسرائيل يتضمن رسالة مفادها أنه في حال استمرار الحرب وتصاعدها، فإنه لن يبقى على الحياد بل سينخرط بشكل مباشر ومكثف وكلي في الحرب، بحسب كناعنة.
وأيضا يحمل دخول حزب الله في الحرب دلالات استراتيجية وأيديولوجية، إذ يعكس ارتباطه الوثيق بإيران القائم على مبدأ “ولاية الفقيه”، ويُعد الرد على مقتل خامنئي خطوة ضرورية للحفاظ على شرعيته الداخلية والخارجية بعد تجاوز “الخط الأحمر”، وفق المحلل السياسي الفلسطيني أباد عبد الجواد.
ورفضت الدولة اللبنانية الأعمال العسكرية لحزب الله، وأعلنت حظر نشاطاته الأمنية والعسكرية، مؤكدة “أن قرار الحرب والسلم بيدها”، وهي خطوة انتقدها حزب الله.
وأعلن رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، اليوم أن الدولة اللبنانية تحظر نشاطات حزب الله، وتلزمه بتسليم سلاحه والتزام العمل السياسي.
وقال سلام، في تصريح عقب اجتماع طارئ للمجلس برئاسة الرئيس جوزاف عون، اليوم إن الدولة اللبنانية تعلن رفضها المطلق لأي أعمال عسكرية تنطلق من أراضيها، وتؤكد أن قرار الحرب والسلم بيدها، ما يستدعي حظر نشاطات حزب الله وإلزامه تسليم سلاحه والتزام العمل السياسي.
وطلبت الحكومة اللبنانية من الأجهزة الأمنية تنفيذ ما ورد لمنع القيام بأي عمليات عسكرية وتوقيف فاعليها، كما طلبت من قيادة الجيش المباشرة بتنفيذ الخطة في شقها المتعلق حصر السلاح شمال الليطاني.
ويخالف تحرك حزب الله قرارات السلطة الرسمية في لبنان، التي سبق أن قررت في أغسطس 2025 حصر السلاح بيد الدولة، قبل أن يقدم الجيش خطة بذلك رفضها الحزب الشيعي وأكد مرارا أنه “لن يسلم سلاحه”.
تحرك خارج الإجماع الوطني، هل يزيد متاعب لبنان؟
ورأى المحلل اللبناني عادل مشموشي، أن دخول حزب الله الحرب الاسرائيلية الأمريكية على إيران يخالف قرارات السلطة الرسمية في لبنان، ويشير ذلك إلى “أولوية انتمائه العقائدي وغلبة ولائه لإيران على المصلحة الوطنية”.
ويتمحور الموقف الرسمي اللبناني، وفق مشموشي، حول “تجنيب لبنان كوارث وأهوال الصراعات الخارجية وعدم إدخال البلاد في مغامرات تهدد أمنها ووحدتها”.
وأكد ضرورة أن تتمسك السلطة اللبنانية “بحصرية قرار السلم والحرب بيدها، وأن تتخذ إجراءات تكفل حماية لبنان من العواقب الوخيمة للتطورات الخطيرة المستجدة في المنطقة”.
لكنه حذر من أن تدخل حزب الله “قد يؤدي إلى شرخ وطني بواقع قيام أحد مكونات البلاد بشن حرب ستؤدي، كما حصل في مرات سابقة، إلى خسائر جسيمة على كل المستويات”.
ومع استبعاده دخول لبنان في حالة صدام داخلي نتيجة تفرد الحزب بالقيام بعمل عسكري يهدد مجمل البلاد، إلا أنه رأى أنه “من المحتمل حصول تحركات شعبية قد تفضي إلى احتكاكات تشعل توترات”.
من جهته، رأي الباحث العراقي ناظم علي، أن موقف الحكومة اللبنانية كان واضحا منذ البداية في رفض دخول حزب الله الحرب إلى جانب إيران لأن ذلك “يعرض أمن لبنان وسلامته إلى الخطر”.
وأشار إلى أن القوى الوطنية اللبنانية تخشى من أن هذه العمليات قد تدفع إسرائيل إلى عملية اقتحام واحتلال جديدة لجنوب لبنان كما حدث في ثمانينات القرن الماضي، لافتا إلى أن لبنان لم يتعاف بعد من الحرب الأخيرة التي أحدثت دمارا هائلا في لبنان وليس لديه القدرة على تحمل أعباء حرب جديدة.
ويتوقع الكاتب الصحفي السعودي أحمد الديحاني، من بيروت أن تتعامل بجدية مع هذه الثغرة في قرارها السيادي بالحرب أو السلام، مؤكدا أن الموقف اللبناني الرسمي يعي تماما خطورة الوضع الراهن، بما في ذلك جر فئة من اللبنانيين بلدهم لمعركة إقليمية ثقيلة بهذا الحجم.
لكن الأكاديمي في جامعة تل أبيب عبد القادر كناعنة، يرى أن قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر أعمال حزب الله، يحمل تداعيات خطيرة على الداخل اللبناني.
وحذر من “أن مثل هذا القرار قد يدفع باتجاه انقسام داخلي حاد، وربما يفتح الباب أمام سيناريوهات صدام داخلي أو فوضى واسعة النطاق، في ظل هشاشة التوازنات السياسية والطائفية القائمة في البلاد، قد تؤدي إلى حرب أهلية إذا ما باشرت الحكومة اللبنانية بتطبيق قرارها على أرض الواقع بحظر حزب الله عسكريًا”.
ومثلما سيؤثر تحرك حزب الله على الداخل اللبناني، فإنه كذلك قد يوسع دائرة الضغط لصالح إيران في المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
توسيع دائرة الضغط دون تغيير في ميزان القوى
وقال المحلل السياسي اليمني محمد الأحمدي أن دخول حزب الله على خط المواجهة “قد يوسع دائرة الضغط لصالح إيران ويرفع أثمان الحرب على الصعيد الإقليمي، لكنه لا يضمن تغييرا حاسما في ميزان القوى بقدر ما يزيد من مخاطر اتساع الحرب وتحميل المدنيين كلفة أكبر”.
وشاطره الرأي المحلل السياسي الفلسطيني أباد عبد الجواد، إذ أكد “أن دخول حزب الله إلى الحرب يزيد التكلفة والمدة، لكنه لا يغير التوازن الاستراتيجي الذي يميل لصالح الجانب الأمريكي-الإسرائيلي بسبب تفوقه الجوي والاستخباراتي”.
وبالنسبة للباحث العراقي ناظم علي، فأن دخول حزب الله إلى جانب إيران سيوسع من دائرة الصراع في المنطقة، ويفتح جبهات جديدة للتأثير على الزخم الذي تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل في استهداف إيران.
وأوضح علي أن فتح جبهة جديدة من قبل حزب الله سيؤثر على الجبهة الشمالية لإسرائيل، وهي لم تتعاف بعد من الحرب الأخيرة، كما أنه سيعيد وحدة الساحات في استهداف المصالح الأمريكية وإسرائيل.
إذ قد يؤدي تدخل حزب الله إلى تشجيع بقية حلفاء إيران في المنطقة إلى الانخراط في الحرب في حال استمرارها لفترة أطول، ما ينذر بمواجهة إقليمية مفتوحة، وفق الخبراء.
انخراط فصائل جديدة ينذر بتداعيات ثقيلة
ورأى الأكاديمي كناعنة أن استمرار الحرب في إيران لفترة أطول، وهو أمر مرجّح، ومع تزايد الانطباع بأن النظام الإيراني يواجه خطرًا وجوديًا، فقد يسود منطق الحرب الشاملة لدى إيران وحلفائها، أي توسيع رقعة المواجهة بدل احتوائها.
وأضاف أنه في حال دخل حزب الله بشكل كامل، فمن الصعب تصور بقاء بقية حلفاء إيران خارج المعادلة، أنصار الله (الحوثيون) في اليمن، وفصائل الحشد الشعبي في العراق، قد يرون أنفسهم معنيين بالانخراط لأن المسألة لن تُفهم كحرب محدودة لتسجيل نقاط سياسية أو عسكرية من قبل التحالف الأمريكي-الإسرائيلي، بل محاولة أوسع لإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة بصورة جذرية، ومحاولة لإضعاف النظام الإيراني جذريًا وربما اجتثاثه.
وأوضح كناعنة “أن القوى الحليفة لإيران ستدرك أن أي محاولة لإسقاط النظام الإيراني لن تتوقف عند طهران، بل قد تمتد لاحقًا إلى تفكيك أو إضعاف حلفائه الإقليميين في لبنان واليمن والعراق”.
وتابع “في هذه الحالة، نحن لا نتحدث عن جولة عسكرية تقليدية، بل عن مواجهة إقليمية مفتوحة قد تعيد رسم موازين القوى في المنطقة بأسرها، مع احتمالات تصعيد طويل الأمد وفوضى تمتد عبر أكثر من ساحة”.
واتفق معه العراقي ناظم علي، إذ رأى أن المواقف الرمادية لن تقبل في هذه المواجهة الكبرى من قبل الحلفاء كونها معركة وجود بالنسبة لإيران.
وقال “إن غياب ايران الإسلامية يعني أن عموم الشيعة في العالم سيفقدون البوصلة في إدارة الدفة في القضايا السياسية والدينية على مستوى منطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي”.
وأضاف أنه “لذلك تسعى إيران لتوسيع جبهة المواجهة وإشراك قوى محور المقاومة في كل الجبهات من أجل زيادة الضغط وإيقاف الحرب قبل أن تصل الأمور إلى مرحلة اللاعودة وسقوط النظام”.
من جهته، رأى المحلل السياسي الفلسطيني أن تدخل حزب الله “قد يوسع رقعة الحرب” وأن الحوثيين في اليمن والميليشيات العراقية قد يصعدون، مما يفتح جبهات إضافية.
وحذر عبد الجواد من أن هذا الدخول في النهاية قد يسرّع نهاية محور المقاومة التقليدي، لكنه يجعل المنطقة أكثر خطراً وغموضاً في الأسابيع المقبلة.
فيما يعوّل الديحاني على حكمة الأطراف الدولية الفاعلة والمحايدة لإنقاذ المنطقة من توسع ميدان المعركة ومن تداعيات أمنية واقتصادية قد تلقي بتأثيرها على أنحاء العالم.
“عواصم عربية 2 مارس 2026 (شينخوا)”



