مقالات

العدالة المؤسسية في خدمة ضيوف الرحمن… حين تتحول الشفافية والمحاسبة إلى ضرورة لإنصاف المظلومين

محمد عثمان الرضي يكتب…

تُعد خدمة الحجاج والمعتمرين من أعظم المسؤوليات الدينية والوطنية، إذ تقوم في جوهرها على قيم الأمانة والإخلاص والالتزام، كما تتطلب منظومة إدارية راسخة ترتكز على الشفافية والمحاسبة والعدالة المؤسسية، بما يضمن حفظ الحقوق وإنصاف العاملين في هذا المجال الحيوي.

وفي إطار هذه المنظومة يبرز اسم الدكتور حيدر محمد زين عبد الكريم، مساعد الملحق الإداري للحج والعمرة بالمدينة المنورة، بوصفه واحداً من الكفاءات السودانية التي راكمت خبرات طويلة في مجال خدمة الحجاج والمعتمرين السودانيين.

يمثل الدكتور حيدر نموذجاً مهنياً يجمع بين التأهيل الأكاديمي والخبرة العملية، فهو يحمل أعلى الدرجات العلمية في مجال الإعلام، كما حصل على العديد من الدورات التدريبية المتخصصة التي أسهمت في صقل خبراته المهنية في إدارة شؤون الحجاج.

امتدت تجربته العملية في هذا المجال لما يقارب الثلاثين عاماً، ظل خلالها حاضراً في ميادين العمل الميداني، يؤدي مهامه بروح المسؤولية والتجرد، واضعاً خدمة ضيوف الرحمن في مقدمة أولوياته، ومحتسباً جهده لوجه الله تعالى.

غير أن مسيرته المهنية تسلط الضوء في الوقت ذاته على إشكالية إدارية تستدعي التوقف عندها بروح من المسؤولية المؤسسية، حيث تشير الوقائع إلى أنه لم يتقاضَ راتبه لمدة تقارب ثمانية عشر شهراً، وهي مسألة تستوجب المعالجة العاجلة من الجهات المختصة.

إن استمرار موظف في أداء مهامه طوال هذه الفترة دون الحصول على مستحقاته المالية يعكس درجة عالية من الصبر والالتزام المهني، لكنه في الوقت ذاته يثير تساؤلات مشروعة حول آليات المتابعة الإدارية وفاعلية نظم المحاسبة داخل المؤسسات المعنية.

كما أن طبيعة العمل الميداني في خدمة الحجاج تتطلب توفير الحد الأدنى من الوسائل اللوجستية التي تمكن المسؤول من أداء واجباته بكفاءة، وهو أمر ينبغي أن يحظى بالاهتمام الكافي من الجهات الإدارية المشرفة على هذا القطاع.

وتشير المعطيات كذلك إلى أن مسألة منحه جوازاً دبلوماسياً ما زالت في طور الإجراءات رغم صدور خطاب من وزارة الشؤون الدينية والأوقاف إلى وزارة الخارجية بشأن ذلك، وهو ما يستدعي تسريع الإجراءات الإدارية متى ما استوفت شروطها القانونية.

إن مبادئ الشفافية في العمل المؤسسي تفرض معالجة مثل هذه الملفات بروح العدالة والإنصاف، ليس فقط من أجل شخص بعينه، بل حفاظاً على معنويات العاملين وتعزيزاً لثقة الكوادر المهنية في مؤسسات الدولة.

ومن هذا المنطلق فإن مسؤولية المتابعة تقع في المقام الأول على عاتق القيادة التنفيذية في المؤسسات المعنية، وعلى رأسها وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، التي يفترض أن تضطلع بدور أساسي في ضمان حقوق منسوبيها.

فالوزارة بحكم رسالتها الدينية والأخلاقية مطالبة بأن تكون نموذجاً يحتذى به في ترسيخ قيم العدالة الإدارية، وأن تعمل على تحقيق التوازن بين الواجبات الوظيفية والحقوق المشروعة للعاملين.

إن رد الحقوق إلى أصحابها ليس مجرد إجراء إداري، بل هو قيمة أخلاقية تعكس مصداقية المؤسسة وقدرتها على إدارة مواردها البشرية بعدالة وشفافية.

وفي سياق إدارة ملف الحج، يبرز كذلك موضوع التنسيق المؤسسي بين الجهات المختصة، خاصة فيما يتعلق بدور المجلس الأعلى للحج والعمرة، الذي أنشئ أساساً لتنظيم هذا الملف الحيوي والإشراف على ترتيباته الفنية والإدارية.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى تقييم بعض الممارسات التنظيمية، مثل تكرار سفر وفود متعددة لأغراض التعاقد مع الشركات الخدمية، وهو أمر قد يستدعي إعادة النظر في آلياته بما يحقق الكفاءة في استخدام الموارد.

فقد أمضت بعض الوفود الولائية فترات طويلة في الأراضي المقدسة، تجاوزت أربعين يوماً بين مكة المكرمة والمدينة المنورة، وهو ما يمثل التزاماً مالياً كبيراً تتحمله الدولة في ظل ظروف اقتصادية معقدة تمر بها البلاد.

إن الإدارة الرشيدة للمال العام تقتضي مراجعة مثل هذه الترتيبات لضمان تحقيق أعلى درجات الكفاءة في الإنفاق، مع الحفاظ في الوقت ذاته على جودة الخدمات المقدمة للحجاج السودانيين.

كما أن ملف العمالة الموسمية والمؤقتة في موسم الحج يحتاج إلى تنظيم أكثر دقة، من خلال وضع معايير واضحة تستند إلى اللوائح والقوانين المنظمة، بما يضمن اختيار الكفاءات القادرة على أداء المهام المطلوبة بعيداً عن المجاملات أو الاعتبارات الشخصية.

ومن المبادئ الأساسية التي ينبغي أن يتحلى بها العاملون في مجال خدمة الحجاج والمعتمرين روح التجرد ونكران الذات، وأن يكون الدافع الأول في أداء الواجب هو خدمة ضيوف الرحمن بعيداً عن الأهواء الشخصية أو تصفية الحسابات الضيقة. كما أن العمل المؤسسي الرشيد يتطلب تجاوز عقلية الشكوك الدائمة ونظرية المؤامرة التي قد تتسلل أحياناً إلى بعض دوائر اتخاذ القرار، لأن انتشار هذه الذهنية يضعف روح الفريق ويعطل الأداء المهني السليم. فالمؤسسات الناجحة تُبنى على الثقة المتبادلة، والاحتكام إلى اللوائح والقوانين، والالتزام بمعايير العدالة والموضوعية في تقييم الأفراد والقرارات.

وتعد الرقابة والمتابعة والمحاسبة من أهم الأدوات العلمية لضبط جودة الأداء المؤسسي، إذ تسهم في تصحيح الأخطاء وتعزيز ثقافة المسؤولية داخل المؤسسات.

كما أن قوة شخصية القيادة الإدارية وقدرتها على اتخاذ القرار تمثل عاملاً حاسماً في توجيه الأداء المؤسسي وضمان الالتزام بالمعايير المهنية.

وفي هذا السياق، يذكر كثير من العاملين في قطاع الحج تجربة الإدارة السابقة للمجلس الأعلى للحج والعمرة بقيادة الأستاذ سامي الرشيد، التي اتسمت بالحزم الإداري وسرعة اتخاذ القرار، وهو ما انعكس بوضوح على الأداء المؤسسي خلال فترة توليه المسؤولية.

إن التجارب الإدارية الناجحة تمثل رصيداً مهماً ينبغي الاستفادة منه في تطوير العمل المؤسسي، خاصة في القطاعات الحساسة التي ترتبط بخدمة ضيوف الرحمن.

وفي نهاية المطاف، فإن ترسيخ مبادئ الشفافية والمحاسبة داخل المؤسسات لا يهدف إلى توجيه اللوم بقدر ما يسعى إلى بناء ثقافة مؤسسية عادلة تقوم على إنصاف المظلوم، وتقدير الكفاءات، وضمان حسن إدارة الموارد العامة.

فخدمة ضيوف الرحمن أمانة عظيمة، وهي في الوقت ذاته اختبار حقيقي لقدرة المؤسسات على الجمع بين الكفاءة الإدارية والقيم الأخلاقية التي تقوم عليها رسالة العمل العام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى