مدير عام هيئة الموانئ البحريه بين هوس الكاميرات وعجز الإدارة

محمدعثمان الرضي يكتب…
صعد المدير العام لهيئة الموانئ البحرية المهندس جيلاني محمد جيلاني إلى هذا المنصب عبر بوابة التأهيل الأكاديمي ومن خلال منصة التنافس الحر، وهو طريق يفترض أن يقود إلى قيادة مهنية صلبة تعرف قيمة المسؤولية وتدرك خطورة الموقع الذي تجلس عليه.
الرجل لم يصل إلى هذا الكرسي بقرار فوقي صادر من رئيس مجلس السيادة أو رئيس مجلس الوزراء، ولم يأت عبر صفقات المحاصصات السياسية أو التوازنات القبلية التي أنهكت مؤسسات الدولة.
ولهذا السبب تحديداً استقبل كثيرون تعيينه بقدر كبير من التفاؤل، واعتبروا أن وصوله يمثل انتصاراً نادراً لمبدأ المهنية في مؤسسة تعد من أهم مؤسسات الاقتصاد السوداني.
كان الاعتقاد السائد أن الرجل، بصفته ابن المؤسسة الذي نشأ داخلها وتدرج في وظائفها، يعرف أدق تفاصيلها وقادر على اقتلاع أزماتها من جذورها.
لكن ما يحدث الآن يبعث على خيبة أمل كبيرة ويطرح أسئلة حادة حول الطريقة التي تُدار بها هيئة الموانئ البحرية في هذه المرحلة الحساسة.
أول ما يلفت النظر في تجربة المهندس جيلاني هو هذا الشغف المفرط، بل الهوس الواضح، بعدسات الكاميرات ومنصات الإعلام.
الرجل يكاد لا يغيب عن المشهد الإعلامي، يظهر في كل مناسبة، ويتصدر كل منصة، وكأن مهمته الأولى هي إدارة صورته في الإعلام لا إدارة مؤسسة اقتصادية عملاقة.
هذا التهافت غير المبرر على الأضواء يثير الريبة ويكشف خللاً واضحاً في ترتيب الأولويات.
فالمسؤول الحقيقي لا يجري خلف الكاميرات، بل الكاميرات هي التي تجري خلفه عندما تفرض إنجازاته نفسها على الواقع.
لكن حين يصبح الظهور الإعلامي هو النشاط الأكثر وضوحاً للمسؤول، فذلك مؤشر خطير على أن الإنجاز الحقيقي غائب أو شحيح.
الموانئ ليست مسرحاً للاستعراض الإعلامي، بل ميدان عمل قاسٍ يحتاج إلى قيادة حاضرة في الميدان لا نجماً دائماً في نشرات الأخبار.
الأرصفة التي تستقبل السفن وتتحمل عبء حركة التجارة لا تحتاج إلى خطابات وتصريحات، بل تحتاج إلى إدارة صارمة وقرارات حاسمة.
المؤلم أن صورة المدير العام للموانئ أصبحت أكثر ثباتاً في مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الإعلامية من حضوره في ساحات العمل داخل الميناء نفسه.
كأن إدارة الموانئ تحولت إلى إدارة للكاميرات، بينما تبقى مشاكل الأرصفة والتكدس والتعقيدات الإدارية بلا حلول حقيقية.
هذه ليست إدارة لمؤسسة اقتصادية استراتيجية، بل إدارة لصورة إعلامية زائفة لا تصمد طويلاً أمام حقائق الواقع.
التاريخ الإداري في السودان مليء بنماذج لمسؤولين أغرتهم الأضواء فاستبدلوا العمل الحقيقي بضجيج التصريحات، وكانت النتيجة سقوطاً مدوياً وفشلاً لا يخفى على أحد.
الإعلام سلاح خطير، ومن يسيء استخدامه يتحول من وسيلة دعم إلى سبب مباشر في كشف العجز وفضح القصور.
هيئة الموانئ البحرية ليست مؤسسة هامشية يمكن التساهل في إدارتها، بل هي الرئة التي يتنفس عبرها الاقتصاد السوداني.
وأي ضعف في قيادتها ينعكس فوراً على حركة التجارة وعلى مصالح الدولة بأكملها.
المطلوب من المدير العام ليس أن يكون نجماً إعلامياً يتنقل بين الكاميرات، بل قائداً صارماً يقف وسط الأرصفة ويقود معركة إصلاح حقيقية.
أما الاستمرار في مطاردة الأضواء وترك الميدان يغرق في مشاكله، فذلك طريق واضح نحو الفشل مهما حاولت الكاميرات تجميل الصورة.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن بقوة: هل يدرك مدير الموانئ خطورة الموقع الذي يجلس عليه، أم أنه ما زال منشغلاً بترتيب زاوية الصورة أمام عدسات الكاميرات؟



