مستشارون على مقاس الأزمة… قرار السيادة بين ضيق الرؤية واتساع الغضب

محمدعثمان الرضي يكتب…
أصدر رئيس مجلس السيادة قرارًا بتعيين الأستاذ حسن إسماعيل مستشارًا إعلاميًا، والأستاذ أمجد فريد مستشارًا سياسيًا، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا منذ لحظتها الأولى.
القرار لم يأتِ في سياق هادئ أو ظرف طبيعي، بل في توقيت بالغ الحساسية تعيش فيه البلاد واحدة من أعقد مراحلها السياسية والعسكرية.
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: ما هي المعايير التي استندت إليها مؤسسة السيادة في اختيار هذين الاسمين تحديدًا دون غيرهما؟
المشهد العام لا يوحي بوجود رؤية مؤسسية واضحة، بل يعكس حالة ارتباك في اتخاذ القرار، وكأن الأمر تم على عجل دون دراسة كافية.
إذا كان معيار الاختيار هو المواقف الداعمة للجيش خلال معركة الكرامة، فإن قائمة المستحقين تطول لتشمل آلاف السودانيين الذين دفعوا أثمانًا باهظة.
هناك من ضحى بروحه، ومن خسر ممتلكاته، ومن شُرِّد عن أهله، وكلهم كانوا في الصفوف الأمامية دعمًا للمؤسسة العسكرية.
في المقابل، يظهر أن دائرة الاختيار قد ضاقت بشكل لافت، وكأنها محصورة في أسماء بعينها لأسباب غير معلنة.
تعيين مستشار إعلامي من ملجأه في الخارج يفتح باب التساؤلات حول تجاهل الكفاءات الوطنية التي ظلت تقاتل بالكلمة من داخل الميدان.
مئات الصحفيين داخل السودان عاشوا تحت القصف، وواجهوا الخطر اليومي، ولم يغادروا مواقعهم رغم كل التهديدات.
هؤلاء كانوا أولى بأن يُنظر إليهم بعين التقدير، لا أن يتم تجاوزهم في لحظة توزيع المواقع الحساسة.
العمل الإعلامي في زمن الحرب لا يُقاس فقط بالصوت المرتفع، بل بمدى الالتصاق بالواقع ومعايشة تفاصيله على الأرض.
أما الاكتفاء بالظهور عبر قنوات خارجية، فهو جهد يُحترم، لكنه لا يكفي وحده ليكون معيارًا للتكليف بموقع سيادي رفيع.
الرسالة التي تصل للرأي العام من هذا التعيين تبدو سلبية، وكأن الدولة تكافئ البعيد وتُهمل القريب.
هذا الإحساس بالغبن قد يتفاقم، خاصة في أوساط الإعلاميين الذين ظلوا صامدين داخل الوطن رغم كل الظروف.
أما تعيين أمجد فريد مستشارًا سياسيًا، فهو يثير تساؤلات من نوع آخر أكثر تعقيدًا.
الرجل الذي كان حتى وقت قريب في صف مناهض للمؤسسة العسكرية، يجد نفسه فجأة في موقع استشاري داخلها.
هذا التحول السريع يطرح علامات استفهام حول ثبات المواقف ومدى اتساقها مع المسؤوليات الجديدة.
السياسة ليست ساحة للقفز بين المواقف وفق تغير الرياح، بل يفترض أن تقوم على مبادئ واضحة ومستقرة.
قبول مثل هذه التحولات دون تفسير شفاف يضعف الثقة في مؤسسة القرار ويهز صورتها أمام المواطنين.
كما أن إدخال عناصر كانت في موقع الخصومة الحادة دون تمهيد أو تبرير، يفتح الباب أمام الشكوك حول دوافع القرار.
الشارع السوداني اليوم أكثر وعيًا، ولم يعد يتقبل القرارات المبهمة التي تفتقر إلى الشفافية.
الأخطر من ذلك أن هذه التعيينات قد تُفهم على أنها رسائل سياسية متناقضة في توقيت لا يحتمل الغموض.
الدولة تحتاج إلى وضوح في الرؤية، لا إلى قرارات تزيد من تعقيد المشهد وتربك الحسابات.
في ظل هذه الظروف، يصبح من الضروري إعادة تقييم مثل هذه الخطوات، قبل أن تتحول إلى عبء إضافي على المشهد العام.
المناصب الاستشارية ليست مكافآت سياسية، بل مسؤوليات تتطلب أعلى درجات الكفاءة والمصداقية.
إن استمرار نهج التعيين بهذه الطريقة قد يفاقم حالة الاحتقان، بدلًا من أن يسهم في معالجتها.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام قرار مدروس يخدم المصلحة الوطنية، أم مجرد خطوة أخرى في مسار التخبط السياسي؟



