مقالات

حين يفعلها رئيس أكبر دولة يسقط عذر الآخرين.. الإعلام الصادق أمانة ومسؤولية وطنية

 

خالد الإعيسر يكتب…

خلال كلمة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في المؤتمر الاقتصادي بميامي يوم أمس، 27 مارس 2026م، انتقد بعض وسائل الإعلام الأمريكية واتهمها بعدم المصداقية في أغلب الأحيان، وخص صحيفة “نيويورك تايمز” بالإشارة إلى النقل غير الدقيق، وأشاد بمنابر إعلامية أمريكية أخرى لم يسمها.

وقال ترامب: “علينا أن نخرج ونتحدث، لأن لا أحد سيفعل ذلك نيابة عنا”. وأضاف: “يجب أن أدافع عن نفسي، لأن لا أحد سيفعل ذلك من أجلي”.

هنا، أود أن أوضح أنني لست بصدد الكتابة عن الرئيس الأمريكي ترامب ومواقفه، فموضوعي يركز فقط على التناول الإعلامي كمنهج وممارسة مسؤولة، وكيفية التعامل مع الإعلام ونقل الحقائق بدقة وموضوعية.

استوقفتني عباراته وتعمقت في معانيها، فوجدت أن رئيس أكبر دولة، وقوة إعلامية واقتصادية وعسكرية متقدمة على غيرها في مجالات التكنولوجيا والفضاء قياساً بكل دول العالم الأول، إذا احتاج هذا الرئيس إلى مثل هذا القول دفاعاً عن نفسه، فما بال من يعملون في دول العالم الثالث إذا لم يقوموا بذلك دفاعاً عن أنفسهم؟

إن الخوض في غمار التحديات الإعلامية واجب لتعزيز القدرة على إيصال الحقائق بوضوح، والتصدي للخطابات المبتذلة وغير المهنية التي تفتقر إلى الدقة والموضوعية، والتي قد تسهم في تشويه الجهود المبذولة بتجرد وإخلاص لصالح الشعوب والأوطان، أو تحاول هذه الأقلام قلب الأبيض إلى أسود، وتصوير التضحية من أجل الشعوب والأوطان على أنها مذمة، وتحويل النجاح – في ظروف قاهرة – إلى فشل، وذلك عبر توزيع مقالات مجهولة الهوية والمصادر وتسريبات موجهة وبلا أسانيد، ونشر الكلام المجاني الرخيص والنصوص والعبارات المبتذلة، أو كما يسميها البعض “ساقط القول”، أو التقليل من الإنجازات المتحققة فعلياً على أرض الواقع رغم الظروف الصعبة وقياساً بما كان عليه الحال، ومن دون مراعاة المعطيات المحيطة بدائرة المسؤولية على خلفية الحروب والظروف القاهرة والتركة الفاسدة والتجارب الفاشلة التي بلغ عمرها مئات السنين.

وهذا النشر المبتذل والخاطئ والموجه وغير الصادق بالطبع يؤثر سلباً على استقرار الدول ومؤسساتها، خاصة عندما يصبح أصحابه ومن يروجون له وجبة سائغة للتماهي مع خطط الغرف الإلكترونية المعادية، التي تهدف إلى إفراغ البلاد من عناصر قوتها ومكانتها واستقلال قرارها وسيادتها، بهدف تمرير أجندات خارجية على حساب الدولة والمجتمع.

وفي المقابل، فإن وسائل الإعلام الصادقة ومنتسبيها من الأقلام الوطنية الرصينة، المتمكنين من التعبير والمضمون والقيم والمبادئ الأساسية للرسالة الإعلامية، والذين لم ينساقوا وراء حملات التضليل الإعلامي أو الكتابات المغرضة التي تستهدف المسؤولين من دون وجه حق، هؤلاء يستحقون الشكر والثناء والاعتراف الصادق بدورهم الوطني الكبير. فهم يسهمون فعلياً في تعزيز الشفافية والمصداقية، ويعززون الثقة بين المؤسسات الرسمية والجمهور، ويشكلون دعامة حقيقية للإعلام الوطني المخلص في خدمة المجتمع والوطن، ويثبتون أن الإعلام ليس كله نماذج سيئة أو رديئة، ويمكن أن يكون وسيلة فاعلة للبناء والتنمية لا للتشويه والتدمير.

أما الأصوات التي تنصب نفسها مرجعيات متخصصة في مختلف القضايا والموضوعات، بما فيها مجالات الطب والعلوم والهندسة والاقتصاد والسياسة والعسكرية والبيئة والثقافة والإعلام والإدارة والرياضة وغيرها من التخصصات، وتدعي تصويب أخطاء الآخرين من زاوية تخصص منهجي ومعرفة مزعومة زوراً، من دون فهم كافٍ لضرورات ومتطلبات تواجه متخذ القرار، وما بين يديه من فرص وتحديات كبيرة، وشح في الموارد والإمكانات وقلة عدد العاملين نتيجة هجرة معظمهم بسبب ظرف قاهر معلوم أو عدم استيعابهم وفق رؤية وضعتها الدولة نفسها، فهذه الأصوات بحاجة إلى مراجعة أخلاقية ومهنية تعزز قيم المسؤولية وترسخ معايير المصداقية، بما يسهم في بناء إعلام وطني أكثر توازناً ووعياً، ويعزز ثقة الجمهور المتلقي بالمؤسسات الإعلامية الرسمية والخاصة على حد سواء.

إن الحق أسمى من الأهواء، والإعلام الصادق ركيزة الدولة ومصداقيتها، وضمان سلامة أدائها وبناء مؤسساتها. ومن يختار التضليل يضع نفسه خارج منظومة المسؤولية الأخلاقية والوطنية، ومن حمل القلم حمل الحق أمانة تنوء الجبال بحملها، فإما أن يحملها بشرف وأخلاق، أو يتركها لمن هم أكثر أهلية منه لممارستها بمسؤولية.

وإن كان من إضاءة أخيرة: (يجب على الكاتب ألا يحكم على الآخرين من منطلق حاجاته الشخصية، فالأهواء والرغبات الذاتية لا يمكن إسقاطها على الآخرين).

قال الله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء).

صدق الله العظيم

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى