الأعمدة ومقالات الرأي

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

حين يختلّ الميزان: من يُحاسِب من في معركة الإصلاح المالي؟

متابعات : ريام نيوز

كتب د. مزمل سليمان حمد… في لحظة وطنية حرجة، تتقاطع فيها ضرورات الحرب مع استحقاقات إعادة بناء الدولة، تبرز قضية الإصلاح الإداري والمالي بوصفها إحدى أعقد معارك المرحلة وأكثرها حساسية. غير أنّ هذه المعركة لا تُحسم بالشعارات، ولا تُدار بالتصريحات العامة، بل تحتاج إلى قدر عالٍ من الاتساق بين القول والفعل، وإلى انضباط صارم لروح القانون قبل نصوصه. ومن هذا المنطلق، يثير حديث وكيل وزارة المالية حول “الإحلال والإبدال” جملة من التساؤلات الجوهرية التي لا يمكن القفز فوقها، لأنها تمس صميم العدالة الوظيفية، ومصداقية مؤسسات الدولة، وثقة الرأي العام.

 

فالإحلال والإبدال، في جوهره، ليس إجراءً إدارياً عابراً، بل آلية دقيقة وخطِرة في آن، تُحكم بضوابط قانونية ومهنية صارمة، قوامها الكفاءة والشفافية وتكافؤ الفرص. وعندما يُطرح هذا المفهوم في سياق تعاني فيه الخدمة المدنية من اختلالات متراكمة، نتجت عن سنوات من المحاصصات والتعيينات الاستثنائية، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن ليس “الإصلاح”، بل سؤال المشروعية: من يملك سلطة الإحلال؟ وعلى أي معايير يستند؟ وهل تتوافر البيئة المؤسسية التي تضمن ألا يتحول هذا الإجراء إلى أداة لإعادة إنتاج الخلل ذاته بواجهة جديدة؟

 

إن الرأي العام لا يتعامل مع هذه التصريحات بمعزل عن السياق، بل يقرؤها في ضوء تجارب قريبة ما تزال آثارها ماثلة، حيث ارتبطت بعض التعيينات باتفاقات مرحلية – مثل ما يُعرف باتفاقية الجباة – التي انقضى أجلها السياسي، لكنها خلّفت واقعاً إدارياً معقّداً داخل مؤسسات الدولة. ومن ثمّ، فإن أي حديث عن الإحلال والإبدال، دون مراجعة جذرية لتلك المرحلة، ودون مساءلة شفافة حول أسس التعيين فيها، يبدو وكأنه يعالج النتائج ويتجاوز الأسباب.

 

وهنا تتبدى المفارقة بوضوح: كيف يُدعى إلى إعادة تقييم العاملين، بينما لا يزال الجدل قائماً حول قانونية ومشروعية بعض التعيينات نفسها؟ أليس من مقتضى العدالة أن يبدأ الإصلاح من القاعدة التي بُني عليها الاختلال؟ إن القاعدة الأخلاقية والقانونية المستقرة تقضي بأن من يدعو إلى الإصلاح، عليه أن يقدّم نموذجاً له، لا أن يفرضه انتقائياً. فالإصلاح الحقيقي لا يكون بإقصاء البعض والإبقاء على آخرين وفق معايير غير معلنة، بل بإرساء قواعد عادلة تُطبق على الجميع دون استثناء.

 

ثم إن السؤال الأكثر إلحاحاً يتعلق بالاختصاص المؤسسي: هل تقع مسؤولية الإحلال والإبدال ضمن صلاحيات وزارة المالية، أم أنها من صميم اختصاص أجهزة الخدمة المدنية التي تضطلع بوضع السياسات العامة للتوظيف والترقية والمساءلة؟ إن تجاوز هذه الحدود يفتح الباب أمام تداخل الصلاحيات، ويُهدد بتحويل الخدمة المدنية إلى ساحة تجاذب، وهو ما يتعارض مع مبدأ المهنية الذي يفترض أن تقوم عليه مؤسسات الدولة.

 

وزارة المالية، بطبيعتها، جهاز تنفيذي ذو طابع فني، تتمثل مهمته في إدارة الموارد العامة وتوجيه الإنفاق وفق السياسات العليا للدولة، لا في صياغة سياسات الخدمة المدنية أو إعادة تشكيل بنيتها. وعندما تتسع أدوارها لتشمل ما ليس من صميم اختصاصها، فإن ذلك يثير تساؤلات مشروعة حول بنية اتخاذ القرار داخل الدولة، وحدود المسؤولية بين مؤسساتها.

 

إن الحديث عن “تجويد الأداء” لا يكتمل إلا بمعالجة جذرية لمكامن الخلل، وفي مقدمتها غياب المعايير الموحدة، وضعف نظم الرقابة، وتداخل الأدوار بين المؤسسات. كما أن العدالة الوظيفية لا تُختزل في إجراءات جزئية، بل تقوم على رؤية إصلاحية شاملة تعيد الاعتبار لمبدأ الكفاءة، وتُنهي ثقافة المحاصصة، وتؤسس لبيئة عمل قائمة على الاستحقاق والشفافية.

 

وفي ظل هذه التحديات، فإن البلاد لا تحتمل مزيداً من القرارات التي تُثير التساؤلات أكثر مما تقدم الإجابات. المطلوب ليس مجرد لجان تقييم، بل مشروع إصلاحي متكامل يبدأ بمراجعة القوانين القائمة وتفعيلها بعدالة، ويخضع الجميع – دون استثناء – لمعيار واحد. كما أن الشفافية في إعلان الأسس والإجراءات تظل شرطاً لا غنى عنه لاستعادة ثقة المواطنين، الذين أصبحوا أكثر وعياً بقضايا العدالة والمساءلة.

 

إن معركة بناء الدولة لا تقل شأناً عن أي معركة أخرى، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه سائر الانتصارات. وإذا كانت وزارة المالية تتحدث عن حشد الموارد، فإن أعظم مورد تحتاجه الدولة اليوم هو الثقة. وهذه الثقة لا تُمنح بالتصريحات، بل تُكتسب بالممارسة، حين يشعر المواطن – والموظف على حد سواء – أن القانون يُطبّق بعدالة، وأن الإصلاح ليس شعاراً يُرفع، بل التزاماً يُنفّذ.

 

وفي الختام، يبقى السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام إرادة حقيقية لإصلاح مؤسسي عميق، أم مجرد إعادة صياغة لأدوات قديمة بلغة جديدة؟ الإجابة لن تأتي من الأقوال، بل من الأفعال، ومن قدرة الدولة على أن تُثبت – هذه المرة – أن العدالة ليست انتقائية، وأن القانون فوق الجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى