ايمانياتمقالات

قبس من نور –سِرُّ السكينة في ذكر الله

متابعات: ريام نيوز

الذكر في ميزان الإيمان بناءٌ مستمرٌّ للصلة بين العبد وربه، وحالةُ وعيٍ تُعيد تشكيل الداخل على نور الطمأنينة واليقين. به ينهض القلب من غفلته، ويستعيد الإنسان اتزانه وسط تقلبات الحياة، في السراء والضراء، في العلن والخفاء. فالأذكار في حقيقتها ليست طقوسًا لفظية، بل غذاءٌ للروح، وميزانٌ يضبط إيقاع القلب حين تميل به الدنيا.

يقول الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]

أي وعدٍ أعظم من أن يذكرك الله؟ وأي شرفٍ أسمى من أن يكون العبد حاضرًا في دائرة العناية الإلهية بمجرد أن يلهج لسانه بذكره سبحانه؟ إنها معادلة الرحمة التي لا تخضع لموازين البشر، بل لفيض الجود الإلهي الذي لا ينقطع.

إن الذكر ليس بديلًا عن العمل، ولا منفصلًا عن السعي، لكنه الروح التي تمنح العمل معناه، وتمنع القلب من التيه وسط زحام الحياة. كم من إنسانٍ يملك أسباب الراحة كلها، لكنه يفتقد الطمأنينة، وكم من آخر يعيش في ضيقٍ ظاهر، لكن قلبه في سعة لا يملكها أهل الرفاه! والفرق في كثير من الأحيان: قلبٌ ذاكر، وقلبٌ غافل.

وكان النبي ﷺ يعلّم أصحابه أن الذكر ليس موسمًا، بل دوام حال، حتى في أبسط تفاصيل اليوم: عند النوم، وعند الاستيقاظ، وعند الدخول والخروج، وعند الفرح والحزن. وكأنه يريد أن يقول: اجعلوا الله حاضرًا في كل مشهد، فلا يُترك القلب فارغًا لوساوس الدنيا.

وقد أدرك السلف هذه الحقيقة، فكانوا يرون في الذكر حياةً حقيقية لا تقل أهمية عن الطعام والشراب. لأن الجسد إن جاع مات، لكن القلب إن خلا من الذكر قسا وإن تحرك.

وفي زمنٍ تتسارع فيه الأصوات وتتزاحم فيه الانشغالات، يصبح الذكر ملاذًا لا رفاهية، وضرورة لا خيارًا. هو اللحظة التي يستعيد فيها الإنسان توازنه، ويسترد فيها روحه من ضجيج العالم.

فمن أراد سكينةً لا تُشترى، فليجعل لسانه رطبًا بذكر الله، وليعلم أن أعظم الغنائم ليست ما يُجمع من الدنيا، بل ما يُزرع في القلب من حضورٍ مع الله لا يزول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى