ولا تزر وازرة وزر أُخرى

*كتبت د.فردوس عمر عثمان أبومدينة تكتب…جرعة وعي
من أخطر مظاهر الظلم في مجتمعاتنا أن يحاكم الإنسان بما لم يفعل وأن يدان بجريرة غيره وأن تتحول الأنساب والقبائل والأحزاب والأسر والمؤسسات إلى تهمة يحملها الأبرياء دون ذنب. إنها ثقافة تهدم ميزان العدل وتنسف قيمة المسؤولية الفردية التي جاء بها الإسلام وأقام عليها بناء المجتمع.
ولقد قرر القرآن الكريم هذه القاعدة المحكمة في أكثر من موضع فقال : في سورتي الانعام والنجم :
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ فالآية دستور أخلاقي وقانون إلهي يحفظ للإنسان كرامته فلا يحمل خطيئة غيره ولا يسأل إلا عن عمله ولا يجازى فإلا بما كسبت يداه.
وفي السنة النبوية رسخ النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى عندما قال:
«لا يجني جان إلا على نفسه». وفي رواية: «لا يجني والد على ولده ولا مولود على والده».
فالإثم شخصي والعقوبة شخصية، والعدالة لا تعرف التعميم لأن التعميم أول أبواب الظلم.
ولذلك نهى الإسلام عن إطلاق الأحكام الجماعية فلا يذم قوم بذنب فرد ولا تشوه أسرة بخطأ أحد أفرادها ولا تدان قبيلة أو مدينة أو مؤسسة بسبب تصرف شخص واحد. فالله تعالى يقول في سورة المدثر :
﴿كل نفس بما كسبت رهينة ﴾
وفي واقع الناس كم من بريء دفع ثمن خطأ غيره وكم من كفء حرم فرصة لأن اسمه ارتبط بأسرة أو جماعة أُخذت بجريرة فرد وكم من علاقات تقطعت لأن الناس استسهلوا التعميم ونسوا أن العدل لا يعرف الأحكام المسبقة.
قال الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
“لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه.”
وهو تطبيق عملي لروح القرآن قبل أن يكون اجتهادا سياسيا .
وورد عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
“اعرف الحق تعرف أهله ولا تعرف الحق بالرجال.”
فميزان الحكم هو الفعل لا الاسم ولا الانتماء ولا القرابة.
ومن روائع ما قيل في الحكمة:
“العدل أساس الملك.”
فالمجتمعات التي تعمم الاتهام وتورث الكراهية وتبني أحكامها على الانطباعات تنتج أجيالا فاقدة للثقة أما المجتمعات التي تعلي قيمة المسؤولية الفردية فإنها تصنع فردا يشعر بأن كرامته محفوظة وأن العدالة لا تفرق بين قريب وبعيد.
فلنرب أبناءنا على أن العدالة ليست شعارا يرفع وإنما فعل يجب أن يمارس وأن الإنسان لا يقاس بنسبه ولا بجماعته ولا بما فعله غيره وإنما بما اختاره لنفسه من قول وعمل. ولنعود ألسنتنا أن تنصف قبل أن تحكم وعقولنا أن تتثبت قبل أن تتهم وقلوبنا أن تتجرد من الهوى قبل أن تصدر الأحكام.
فالمجتمع الذي يحفظ للأفراد حقوقهم قبل أن يحاسبوا على أفعالهم هو مجتمع يؤسس للثقة، ويصنع الأمن ويغرس في النفوس قيمة المسؤولية ويغلق أبواب الظلم التي تبدأ بكلمة ثم تتسع حتى تصبح ثقافة.
ولنتذكر دائما أن العدالة ليست أن نعاقب المخطئ فحسب بل أن نحمي البريء من أن ينسب إليه ما لم يفعل. فمن أنصف الناس في أحكامه أنصفه الله في يوم ﴿لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ يوم لا يحمل أحد عن أحد وزرا ولا ينفع نسب ولا جاه وإنما ينجو من جاء بقلب سليم وعمل مستقيم.
وإذا أردت أن تكون من أهل العدل والإنصاف فلا تسأل: إلى من ينتمي؟ بل اسأل: ماذا فعل؟ فهناك يبدأ الإنصاف وهناك تنتهي كل صور الظلم.
*هذا مع كامل الود*



