الأمل الجديد : إيمان مزمل تكتب : الاستقرار الحقيقي…حين لا يكون الطموح ثمناً للزواج(1)

دائماً ما نردد كلمة “الاستقرار” كونها الغاية الأسمى لكل زواج، لكننا نادراً ما نتوقف لنسأل: ماذا نعني حقا بالاستقرار؟ وهل هو مجرد غياب الخلافات، أم أنه بيئة يشعر فيها كل من الزوجين بالأمان والاحترام والقدرة على تحقيق ذاته؟ وبين المفهوم الذي ورثناه عن الاستقرار والمفهوم الذي تفرضه تحولات الحياة الحديثة، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في الأفكار التي تجعل نجاح أحد الشريكين يبدز وكأنه تهديد للعلاقة، بينما الحقيقة أن الشراكة المتوازنة هي التي تمنح الطرفين فرصة للنمو والنجاح معا.
ليس كل ما يبدو مستقرًا هو استقرار حقيقي.
ففي كثير من الأحيان نُخطئ فهم الاستقرار حين نختزله في هدوءٍ ظاهري، وروتينٍ يومي، وتنازلاتٍ صامتة يقدمها أحد الطرفين حفاظًا على سكون البيت، غير أن هذا السكون قد يكون غير حقيقي فالاستقرار الذي يُبنى على إلغاء الطموح أو إطفاء الأحلام، أو مطالبة أحد الشريكين بالتخلي عن جزءٍ من ذاته ليس استقرارًا بقدر ما هو تأجيلٌ للأزمات. فالأحلام التي تُؤجل والطموحات التي تُقمع لا تختفي، بل تتحول مع الزمن إلى شعورٍ بالخذلان أو الإحباط، ينعكس على العلاقة والأسرة معًا.
في كل مرة يُثار فيها الحديث عن الزواج وعمل المرأة، تتردد عبارة تكاد تكون مسلّمة اجتماعية: “أنا أبحث عن الاستقرار” وهي عبارة لا يختلف اثنان على أهميتها، لكنها كثيرًا ما تُستخدم لتبرير مطالب لا ترتبط بجوهر الاستقرار، بقدر ما تعكس تصورات تقليدية عن أدوار الرجل والمرأة داخل الأسرة.
المشكلة ليس في قيمة الاستقرار، فهو حاجة إنسانية لا غنى عنها، وإنما في تعريفه. فهل يعني الاستقرار أن يتخلى أحد الزوجين عن طموحه؟ وهل يصبح الزواج أكثر نجاحًا كلما تقلصت مساحة تحقيق الذات لدى أحد الطرفين؟
ورغم أن هذا السؤال يمكن أن يوجَّه إلى الرجل والمرأة على حد سواء، فإن المرأة لا تزال، في كثير من مجتمعاتنا، الطرف الذي يُطلب منه غالبًا دفع ثمن هذا الفهم القاصر للاستقرار وكأن النجاح المهني يتناقض بالضرورة مع النجاح الأسري، وكأن تحقيق الذات امتيازٌ يُمنح لطرف، بينما يُطلب من الطرف الآخر أن يؤجل أحلامه أو يتخلى عنها.
لقد تغيّر العالم، وتغيّرت معه طبيعة الحياة ومسؤوليات الأسرة. فالمرأة اليوم تتعلم، وتحصل على أعلى الدرجات العلمية وتعمل في مختلف المجالات وتسهم في الاقتصاد، وتشارك في بناء المجتمع. وأصبح طموحها جزءًا من واقع تفرضه الحياة الحديثة ومع ذلك، لا تزال بعض المفاهيم تنظر إلى هذا الطموح بوصفه تهديدًا للاستقرار، لا أحد مقوماته.
العلاقة الزوجية الناجحة تقوم على الاحترام المتبادل، والإيمان بأن نجاح أحدهما لا ينتقص من الآخر، بل يضيف إلى الأسرة كلها. وإذا كان نجاح الرجل يُعد نجاحًا للأسرة، فمن الإنصاف أن يُنظر إلى نجاح المرأة بالطريقة نفسها.
والأهم من كل ذلك أن الاستقرار، في جوهره، حالة من الأمان النفسي وتنظيم للحياة اليومية يشعر فيها كل طرف بأنه مُقدَّر، ومحترم، ومدعوم في طموحه، لا مُطالب بالتخلي عنه حتى يثبت التزامه بالأسرة.
ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم هل نمتلك الوعي الكافي لبناء شراكة حقيقية، لا يُطلب فيها من أحد الطرفين أن يخسر ذاته ليحافظ على العلاقة؟
لقد آن الأوان لأن نعيد تعريف الاستقرار، بعيدًا عن الصور النمطية فالأسر تُبنى على المحبة، والاحترام، والثقة، وتقاسم المسؤوليات. و يزدهر الزواج حين يشعر كل منهما أن نجاح الآخر امتدادٌ لنجاحه.
فالاستقرار الحقيقي لا يُقاس بمدى صمت أحد الشريكين، ولا بحجم الأحلام التي تخلى عنها، وإنما بقدرة الاثنين على أن يعيشا حياةً مشتركة فالأحلام التي تجد من يحتضنها لا تهدم الأسرة بل تبنيها.



