مشاهد من تغطيتي السابقة لوقائع محاكمة المشير البشير نسأل الله أن يفك أسره ويمن عليه بالعافية

عزمي عبد الرازق 2021
في أولى نهارات مُحاكمة رموز نظام الإنقاذ، المكنى بالثورة عند أنصارها وما أكثرهم، المُسمّى منذ عام ونيف بالنظام البائد، شاهدناهم لأول مرة على متن حافلات صغيرة، بزجاجٍ مُعشْق يحجب الرؤية من الخارج، كانت تشق طريقها بصعوبة إلى داخل معهد التدريب القضائي، تجر خلفها رتلاً من السيارات العسكرية وعربة إسعاف، وكلاب بوليسية بأنوف مُدببة، الباحة مُحاصرة تحت الإجراءات الأمنية المُشدّدة، والحيِّز مُحتقن بالزحام المتعجل، تئن أصوات التكبير وزخم اللحظة التاريخية المتأرجحة، تئن بشدة، وقد استدار الزمان كهيئته، يا للصدفة. استدار ليبعث من جديد على شاشة التلفزيون القومي مسلسل “الشاهد والضحية”، ويبعث أيضاً المحامي الضليع والشاعر عبد الباسط سبدرات، مُدافعاً عن إخوان الأمس، في مُواجهة رفاق الماضي البعيد، ولسان حاله “رجعنالك وكيف نرفض رجوع القمرا…”، كل ذلك من داخل المحكمة التي تستمد أهميتها من كونها الأولى لقادة انقلاب ناجح في جمهورية وحيد القرن!
كان الرئيس المعزول هو الوحيد الذي يرتدي ثوب السجن الأبيض، وهو أشبه برجال المرور اليوم، أو بالأحرى زي البحرية عوض زي السجون البُني، بدلة بأكمام قصيرة، يرنو من فتحة جيبها، قلم باركر فرنسي فاخر وساعة سويسرية، وشعر أبيض على مفرقيه، يذكر هذا البياض كله بأوراق أمل دنقل في الغرفة (8).
اختارت إذاعة أم درمان في هذا الصباح، صباح الثلاثاء أغنية للفنان الراحل إبراهيم موسى أبَّا ” ما دوامة الدنيا ما دوامة” .. وهى الأغنية التي ذاع صيتها بعد وفاة جمال عبد الناصر، واضطر جعفر نميري حينها لمنعها، لأنه كان مزهواً بنياشينه، وشعر بالاستهداف الضمني مما تشيء به، كجنرال ملك دنيا السودانيين وقتذاك.
في البدء وصلت سيارتي لاندركروز مظللة بالكامل، دخلت مقر المحكمة وخرجت في غضون عشر دقائق، أعقبتها عربة الأدلة الجنائية، على متنها الكلاب البوليسية المدربة جيداً على كشف الجرائم، لم يكن ثمة جريمة نهائية، وانما متهم بحجم رئيس دولة سابق يحمل أكبر رتبة عسكرية في الجيش، وقد حكم بلاده لثلاث عقود قبيل أن يطيحه انقلاب عسكري، أخذ الصبغة الثورية بصورة مدهشة .
في صباحات المحاكمة أحاط بالقصر الرئاسي لأول مرة شعور رهيب بالقلق، قصر غردون كقصور الدولة الأموية في أواخر أيامها، أضواء الشوارع خافتة وهي تصارع أعمدة الغبار، كل شيء معتم، وكذلك الكرة البلورية فوق برج الدكتاتور الليبي الميت، ثمة حملة مرورية شرهة، وسيارات شرطية متحفزة، وعوادم متعطشة للوقود في الطلمبات الساهرة، التي كانت قد ابتلعت مداخل مركز التدريب الجنائي، هكذا وصلنا مقر المحكمة إذن مرة أخرى .
تفقد الحاجب الذي أَلَفَ الوجوه مصور التلفزيون القومي، فقال ما لي لا أَرَى محمد طنطاوي أم كان مِن الغَائبين، وقد صعقنا خبر فصله في كشوفات التمكين الأخيرة!
نحو ثلاثة ساعات بانتظار نصف ساعة فقط، غاب فيها الشهود، وأحضرت نسخة من صحيفة قديمة كوثيقة اتهام، وطلبات هيئة الدفاع التي ربما أتعبها الحفر على جدار المخارجة .
تأخر السجين الاستثنائي لأربعين دقيقة تقريباً، والقاضي أكثر من ذلك بعد أن اعتذر بلطف، نسبة لظرف اضطراري لم يسمه، حال دون حضوره في الميقات المعلوم، العاشرة صباحاً، وكانت أسرة البشير حاضرة بكثافة معتادة، العنصر النسائي الوفي غالب، والرغبة في التقاط وجه كثيراً ما تعودنا عليه، خلال ثلاثة عقود، وحفظنا خطاباته عن ظهر قلب، إلى درجة تخيل استشهاده بإسماعيل حسن ” ديل أهيلي” والتماس النجاة من السماء في شأن الرزق، وعبارة “الناس ديل يا جماعة قاصدننا في دينا” ليعاود بعده للمفارقة جدل الدين والدولة مرة أخرى، كما لو أنه كان يعرف ما سيحدث بالضبط حين يمضي، ولذلك كان ملتصقاً بنا كقدرنا، لأننا لا نعرف أحداً غيره، كان المشير لا يزال يحمل أكبر رتبة في الجيش السوداني، وقد بلغ عمره في هذه الساعة (76) عاماً، قضى منها في الحكم (360) شهراً، ونحو (214) يوماً داخل سجن كوبر .
هاهو ينتصب في ردهات المحكمة، ويفاجئ الجميع بشجاعة: “عشت ثلاثة عقود أمام الشعب السوداني أشاركهم أفراحهم وأتراحهم وأقف بصدر مفتوح أمام الجماهير ولا أضع حواجز أمنية بيني وبينهم وأتحمل كل المسؤولية عما تم في ٣٠ يونيو ١٩٨٩، وأقول بكل فخر واعزاز أنني قائد ومفجر ثورة الإنقاذ الوطني”.



