الأعمدة ومقالات الرأيالاخبارسياسية
أخر الأخبار

القاهرة والخرطوم… شراكة الدم والمصير في زمن العاصفة

القاهرة والخرطوم… شراكة الدم والمصير في زمن العاصفة

كتب: محمد عثمان الرضي

السودان ليس دولة عابرة في حسابات الإقليم، بل يمثل عمقًا إستراتيجيًا وسياسيًا وأمنيًا بالغ الأهمية لجمهورية مصر العربية، وهو ما يفسر حجم الاهتمام المصري المستمر بما يجري في الخرطوم.

فالقاهرة تنظر إلى السودان بوصفه شقيقًا لا يمكن فصله عن أمنها القومي، ولذلك تحرص أشد الحرص على حمايته ودعمه في أحلك الظروف.

العلاقة بين القاهرة والخرطوم ليست علاقة مصالح آنية أو تنسيق مؤقت، بل علاقة تاريخية متجذرة تجاوزت حدود الجغرافيا لتصل إلى عمق المصير المشترك.

هذه العلاقة صمدت أمام تغير الأنظمة وتعاقب الحكومات وتقلبات السياسة الإقليمية، وبقيت راسخة باعتبارها خيارًا إستراتيجيًا لا بديل عنه.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يكرر دائمًا مقولته الشهيرة: «مالناش غير بعض»، وهي عبارة تحمل دلالات أخوية صادقة، وتعكس قناعة راسخة بوحدة المصير.

تلك العبارة لم تكن شعارًا إعلاميًا، بل ترجمتها القاهرة إلى أفعال واضحة ومواقف عملية على الأرض، خاصة مع اندلاع الحرب في السودان.

في خضم هذه الظروف المعقدة، جاء اختيار السفير المصري لدى السودان السفير هاني صلاح اختيارًا مدروسًا بعناية فائقة لإدارة واحد من أكثر الملفات حساسية.

السفير هاني صلاح لم يأتِ من فراغ، بل يحمل خبرة دبلوماسية وقدرة عالية على قراءة المشهد السوداني بتعقيداته السياسية والاجتماعية.

استطاع السفير أن يبني شبكة علاقات قوية ومتوازنة بين القاهرة والخرطوم، في وقت كانت فيه الساحة تعج بالارتباك والضبابية.

وخلال زمن الحرب، لعبت الدبلوماسية المصرية دورًا فاعلًا في تثبيت جسور التواصل ومنع انهيار قنوات التنسيق بين البلدين.

وسجلت السفارة المصرية بالخرطوم موقفًا غير مسبوق حين كانت السفارة الوحيدة التي انتقلت بكامل طاقمها إلى مدينة بورتسودان.

هذا الانتقال لم يكن خطوة إجرائية فحسب، بل رسالة سياسية واضحة مفادها أن مصر باقية إلى جانب السودان مهما كانت التحديات.

كما فتحت القنصلية المصرية أبوابها في بورتسودان أمام السودانيين الراغبين في السفر إلى القاهرة، مخففة عنهم أعباء الحرب والنزوح.

في جانب الدعم الفني، كانت القاهرة أول عاصمة عربية تدفع بفريق هندسي متكامل لإعادة تأهيل وصيانة الكباري والجسور في الخرطوم.

هذه الكباري تمثل شرايين الحياة للعاصمة القومية، وإعادة تأهيلها تعني الحفاظ على الحد الأدنى من تماسك البنية التحتية.

ولم يتوقف الدعم عند الجانب الهندسي، بل امتد إلى المجال الإنساني والطبي بصورة لافتة.
فقد دفعت القاهرة بفرق طبية من نخبة الأطباء المصريين في مختلف التخصصات لعلاج السودانيين.

وقدمت هذه الفرق خدماتها بمستشفى الأمير عثمان دقنة في بورتسودان، التي أصبحت العاصمة الإدارية المؤقتة للبلاد.
هذا الحضور الطبي لم يكن طارئًا، بل يعكس عمق التعاون الصحي بين البلدين في أوقات السلم والحرب.

وفي ظل الانهيار الذي طال القطاع الصحي السوداني، شكل الدعم الطبي المصري طوق نجاة لآلاف المرضى.

تؤكد هذه المواقف أن علاقة القاهرة بالخرطوم ليست مجرد تضامن لفظي، بل شراكة فعلية تتجسد في الميدان.

وفي النهاية، تظل مصر والسودان نموذجًا لعلاقة أخوية صادقة، أثبتت أن المصالح الحقيقية تُبنى على الثقة والوقوف في ساعة الشدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى