من جبال البحر الأحمر إلى قلب الخرطوم… وداع باهت واسئلة معلقة حول اداء وزارة الثقافة

من جبال البحر الأحمر إلى قلب الخرطوم… وداع باهت وأسئلة معلّقة حول أداء وزارة الثقافة
كتب محمد عثمان الرضي
في مشهد لافت، ودّع وزير الثقافة والإعلام والسياحة الزميل خالد الإعيسر العاصمة الإدارية المؤقتة لجمهورية السودان، مدينة بورتسودان، متوجهاً إلى العاصمة القومية الخرطوم، عبر مقطع فيديو صُوِّر في حضن سلسلة جبال البحر الأحمر وعلى الطريق القومي الرابط بين المدينتين.
الرحلة في ظاهرها عودة طبيعية إلى الخرطوم، لكنها في مضمونها حملت أكثر من دلالة، وفتحت أبواب تساؤلات عريضة حول طريقة الوداع، ورمزية المكان، ورسائل التوقيت.
إنسان شرق السودان، الذي استضاف الحكومة الاتحادية بعد اندلاع الحرب لثلاث سنوات متتالية، كان يستحق وداعاً يليق بتضحياته وصبره، وبما قدمته بورتسودان من استقرار نسبي احتضن مؤسسات الدولة.
وكان من الأجدر بوزير الثقافة والإعلام والسياحة أن يكون وداعه أكثر أناقة وعمقاً، يعبّر عن الامتنان، ويؤسس لذاكرة وطنية تحفظ لهذا الشرق مكانته في مرحلة مفصلية من تاريخ السودان.
غادر الوزير الإعيسر إلى الخرطوم، وترك خلفه طاقم وزارته في بورتسودان، بما في ذلك وكيلا لوزارة الأستاذة سمية الهادي والأستاذ جراهام عبدالقادر، في مشهد يثير التساؤل حول مركز القرار ومكانه الحقيقي.
ولا تزال أهم أذرع وزارة الثقافة والإعلام والسياحة مرابطة في بورتسودان، وعلى رأسها تلفزيون السودان ووكالة السودان للأنباء، إلى جانب إدارات أخرى حيوية تشكل العمود الفقري للعمل الإعلامي الرسمي.
كما أن الإذاعة القومية ما زالت تبث من مدينة عطبرة بولاية نهر النيل، وهي مدينة لم يزرها الوزير الإعيسر حتى الآن، في أولى المفارقات التي تُسجل على مسيرته منذ توليه المنصب.
وزارة الثقافة والإعلام والسياحة، بطبيعتها ووظيفتها، يفترض أن تكون أول وزارة تحط رحالها في العاصمة القومية، لتوثيق مرحلة الانتقال، ونقل الحدث أولاً بأول، وصناعة خطاب وطني جامع.
غير أن الواقع يقول عكس ذلك، إذ غابت الوزارة عن المشهد، ولم تلعب الدور المنتظر منها في لحظة تاريخية تحتاج إلى إعلام قوي، وثقافة فاعلة، وسرد وطني متماسك.
المقارنة هنا تفرض نفسها، حين نستحضر تجربة وزير الثقافة الأسبق السمؤل خلف الله، الذي لم يتذرع بشح الإمكانيات، ولم يتلقَّ دعماً يُذكر من وزارة المالية الاتحادية.
ورغم ذلك، استطاع السمؤل أن يحقق نجاحات واختراقات غير مسبوقة، ويصنع حضوراً ملموساً للوزارة في الداخل والخارج، بإدارة فعالة وإرادة صلبة.
في المقابل، يكثر الوزير الإعيسر من الشكوى، ويخاطب “طوب الأرض” عن فقر وزارته، وضعف إمكانياتها المالية، وكأن العجز قدر لا فكاك منه.
الحقيقة التي ينبغي أن يدركها الوزير، أن الخرطوم ليست بورتسودان، وأن إدارة العمل في العاصمة القومية تتطلب سياسات مختلفة، وخططاً أكثر جرأة، ونَفَساً أطول.
فالخرطوم، بما تمثله من ثقل سياسي وإعلامي وثقافي، لا تحتمل الأداء الباهت ولا التبريرات الجاهزة، بل تفرض إيقاعها الصارم على من يتولى المسؤولية.
رئيس مجلس الوزراء كامل إدريس، هذه المرة، لن يجامل، ولن يتسامح مع أي تقصير في الأداء، والمؤشرات الأولية توحي بأن مرحلة المجاملات قد انتهت.
الأيام المقبلة مرشحة لأن تحمل تحولات ومفاجآت، وقد تعيد رسم خريطة المسؤوليات داخل الحكومة، على أساس الكفاءة والإنجاز لا النوايا الحسنة.
ما يتردد في الكواليس أن الوزير الإعيسر سيقضي أسبوعاً واحداً فقط في الخرطوم، ثم يعود إلى بورتسودان بحجة وجود إدارات الوزارة هناك.
وإذا أقدم على هذه الخطوة وأصر عليها، فإن ذلك سيفتح باباً واسعاً للتأويل، وربما يشير إلى ما هو أبعد من مجرد ترتيبات إدارية.
فالوزارات تُدار من حيث يكون القرار، لا من حيث تراكم الملفات، والعاصمة القومية ليست محطة عابرة في مسيرة أي وزير.
المشهد الحالي يضع وزارة الثقافة والإعلام والسياحة أمام اختبار حقيقي، إما أن تستعيد دورها الريادي، أو تظل أسيرة التردد وضعف المبادرة.
وفي زمن التحولات الكبرى، لا مكان للرمادية، فإما حضور فاعل يصنع الفارق، أو غياب يُسجل في دفاتر الإخفاق.
ويبقى السؤال معلقاً: هل يدرك الوزير الإعيسر أن الطريق من جبال البحر الأحمر إلى الخرطوم ليس مجرد مسافة جغرافية، بل انتقال كامل في المسؤولية والرؤية؟
الإجابة ستكتبها الأيام، وتقرأها ذاكرة الوطن.



