الأعمدة ومقالات الرأي
أخر الأخبار

شارع الحرية بعد الحرب… سوق ينهض من الرماد ويحاصر بالديون

شارع الحرية بعد الحرب… سوقٌ ينهض من الرماد ويُحاصَر بالديون

كتب: محمد عثمان الرضي

يُعد شارع الحرية بوسط العاصمة القومية الخرطوم واحداً من أهم الشرايين التجارية الحيوية، لا سيما في مجال بيع وشراء الأدوات الكهربائية والمنزلية، حيث ظل لعقود قبلةً للمواطنين والتجار على حدٍ سواء.

هذا الشارع لم يكن مجرد سوق، بل كان مرآةً للحياة الاقتصادية في الخرطوم، يعكس حركة الناس، واحتياجات البيوت، ونبض الاستقرار المعيشي.
مع اندلاع الحرب، تحوّل شارع الحرية من مركزٍ تجاري نابض إلى مسرحٍ مفتوح للفوضى والنهب المنظم.

تعرض السوق إلى واحدة من أكبر عمليات السطو والنهب، نفذتها مليشيا قوات الدعم السريع، ولم تُبقِ شيئاً يُذكر في المعارض أو المخازن.

ضاعت البضائع المعروضة، وسُرقت المخزونات، وتبخرت رؤوس أموال ظل التجار يجمعونها على مدى سنوات طويلة من الكد والتعب.

لم يكن الضرر مادياً فحسب، بل نفسياً ومعنوياً، إذ وجد أصحاب المتاجر أنفسهم فجأة بلا مورد رزق ولا أفق واضح للمستقبل.

بعد تحرير الخرطوم، عاد التجار إلى شارع الحرية، لا يحملون سوى الأمل والإرادة، وقرروا استئناف نشاطهم التجاري من نقطة الصفر.
فتحوا متاجرهم المدمرة، رمموا ما يمكن ترميمه، واستدانوا من أجل إعادة تشغيل السوق الذي يمثل شريان حياة للمواطنين.

غير أن الصدمة الكبرى لم تأتِ من آثار الحرب، بل من مواقف بعض الشركات والموردين.

فوجئ التجار بمطالبات قاسية بسداد مديونيات متراكمة تعود إلى فترة الحرب، وكأن شيئاً لم يكن.

الأدهى من ذلك أن السداد طُلب بالعملة الصعبة، وبسعر اليوم، دون أي اعتبار للظروف الاستثنائية التي مر بها السوق وأصحابه.

هذا التشدد المفاجئ وضع التجار أمام معادلة مستحيلة: إما السداد الكامل أو الخروج النهائي من السوق.

إصرار الشركات والموردين على هذا النهج قد يقود إلى إغلاق جماعي للمحال، ويقضي على ما تبقى من الأمل في إنعاش السوق.

خروج التجار من شارع الحرية لن يكون خسارة فردية، بل ضربة موجعة لجهود إعادة الإعمار والاستقرار الاقتصادي.
فهذه المعدات الكهربائية والمنزلية تمثل احتياجاً أساسياً للمواطنين العائدين إلى منازلهم بعد النزوح.

تعطّل السوق يعني تعطّل دورة الحياة الطبيعية، ويُثقل كاهل المواطن بتكاليف إضافية في وقت هو أحوج ما يكون فيه للتخفيف.

من هنا تبرز الحاجة إلى تدخل الدولة بشكل عاجل ومسؤول.
رئيس اللجنة العليا لإعادة تعمير ولاية الخرطوم، وعضو مجلس السيادة، الفريق بحري إبراهيم جابر، مطالب بالتدخل المباشر لإيجاد حلول عادلة.

حلول توازن بين حقوق الشركات والموردين، وحق التجار في الاستمرار والحياة بعد كارثة وطنية شاملة.

إن ترك الأمور على حالها سيُلقي بظلال سالبة على المشهد العام، ويُرسل رسائل محبطة لكل من يفكر في العودة الطوعية إلى الخرطوم.

فكيف يعود المواطن إلى منزله إذا كان السوق عاجزاً عن توفير أبسط متطلبات المعيشة؟
من المفترض أن تلعب الشركات والموردون دوراً وطنياً في هذه المرحلة الحرجة.

جدولة المديونيات، أو تخفيفها، أو حتى إعفاء جزءٍ منها، يمكن أن يُعد مساهمة وطنية حقيقية تُحسب لهم لا عليهم.

فالكارثة التي حلت بالبلاد لم تستثنِ أحداً، والخسارة كانت عامة، لا تخص فئة دون أخرى.
النظرة الربحية البحتة، في مثل هذه الظروف، تضع هذه الشركات في موقف أخلاقي وإنساني صعب.

إذ لا يمكن فصل الاقتصاد عن الواقع الاجتماعي والوطني، خاصة بعد حرب مدمرة.

من الدروس القاسية التي كشفتها هذه الحرب، غياب ثقافة التأمين ضد مخاطر الحرب والكوارث.

لو كانت هذه الثقافة متبعة، لكان السودان اليوم في موقعٍ مختلف، وربما حصل على تعويضات بملايين الدولارات من شركات التأمين العالمية.

لكن للأسف، غابت الرؤية، وضاع التخطيط، ووجد التجار أنفسهم وحدهم في مواجهة الخسارة.

إعادة إعمار الخرطوم لا تبدأ بالإسمنت وحده، بل بإنقاذ الأسواق، ودعم صغار التجار، وحماية دورة الاقتصاد.

شارع الحرية يمكن أن يعود أقوى مما كان، إذا توفرت الإرادة، وتكاتفت الجهود، وتقدّم الحس الوطني على الحسابات الضيقة.

فإما أن نمنح هذا السوق فرصة للحياة من جديد، أو نتركه شاهداً آخر على حربٍ لم تكتفِ بالدمار، بل لاحقت الضحايا حتى بعد انتهائها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى