مقالات

النزوح…دروس وعبرة لمن اعتبر

فردوس عمر أبومدينة تكتب..جرعة وعي

النزوح هو وصفا يمكن أن يحتمل كل ما تحمله من وجع ومعاناة. النزوح يعني أن تترك بيتك وأمانك أن تخلع قلبك من بين أضلاعك وتمضي إلى المجهول

هو ليس انتقالا عاديا بل اقتلاعا للروح من جذورها وتمزيقا قسريا لمسار حياة كاملة.

النزوح ليس انتقالا في جغرافية المكان بحسب وإنما امتحان للضمير وميزان للقيم ومحراب تقاس فيه إنسانيتنا عندما تسلب منا الأشياء التي نتمسك ويبقى الإنسان.

في النزوح يهان عزيز القوم في طابور المساعدات والعامل الذي كان يطعم عشرات بات يبحث عن فتات ويلبس الأطفال ما تيسر من تبرعات بينما يستر الكبار وجعهم بصمت ومحظوظ من وجد بيتا لأقاربه يستطيعون استقبالهم فيه بترحاب يليق بوجعهم ونزوحهم، لكن الغالبية العظمى يقطنون خياما لا تقيهم حر الصيف ولا برد الشتاء هكذا يكون النزوح

وقد قرر القرآن هذا المعنى فجعل التغيير الأخلاقي أصل النجاة والبناء

﴿*إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ*﴾

يا أهلنا في ربوع كردفان

هل وعينا أن الفقد ليس تعداد لما ضاع بل نداءا لما يجب أن يولد؟

لقد علمنا الوحي أن البناء يبدأ من الذات وأن المحنة باب لترقية النفس لا للانكسار

﴿*وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ*﴾

هل أدركنا أن الأرواح التي ارتقت شهيدة تطالبنا بترميم أخلاقنا قبل بيوتنا

فالرسالة النبوية جعلت معيار التفاضل أخلاقا لا أملاكا

قال صلى الله عليه وسلم «إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق»

هل نقلنا إلى المكان الجديد بذور الرحمة والتكافل أم حملنا معنا ذات الخصومات والضغائن والأحقاد وصغائر النفوس؟

فالقرآن ربط الإيمان بالسلوك الاجتماعي وجعل الأخوة فريضة

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ وجعل الإحسان عنوان النجاة

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ﴾

وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أعظم مثال في النزوح عندما آخى بين المهاجرين والأنصار وفي تعاونه مع أصحابه وفي تعاونهم معه وعند بناء المسجد النبوي بالمدينة وعند حفر الخندق وعند مجابهة الأعداء وغير ذلك من الأحداث. فكان النزوح ميلاد أمة.

فلنأخذ على أنفسنا عهدا لا ينكسر أن نكون حيثما حللنا جسورا لا جدرانا معول بناء لا هدم وأن تتسع قلوبنا للجميع بالتسامح والتعايش والمحبة.

قال صلى الله عليه : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»

وقال صلى الله عليه وسلم : «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته»

جرعة أخيرة

وتذكر بأننا لا نقاس بما خسرنا بل بما صبرنا عليه بعد الخسارة.

﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾

ويا أهل كردفان كافة أن النزوح لا يكتب نهايت بل يختبر البدايات.

وأن الطريق الذي أوجع الأقدام قد ينبت في القلوب بصيرة

وأن البيوت تشيد بالحجارة لكن الأوطان تقام بالعدل والرحمة والصدق.

فإذا عجزت الأيدي عن البناء اليوم فارجو أن لا تعجز القلوب عن الإصلاح.

وإن ضاق المكان فلا يضيق الصدر عن الحلم.

﴿*وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ*﴾

اجعلوا من كل صباح عهدا جديدا

أن تكونوا أمنا لمن حولكم وملاذا للضعيف وصوتا للحق

فبالأخلاق تحفظ الكرامة وبالتكافل تستعاد القوة وبالوعي يولد الوطن من جديد.

جرعة لمفوضيات العون الإنساني ومنظمات المجتمع المدني والمانحين فقد بحت أصواتنا من الصراخ نناشد من يتغنون بحقوق الإنسان أن يلتفتوا لمن يسحق هنا بجسد عار وأمعاء خاوية لكنه لا يزال مكللا بالكرامة مشبعا بحب أرضه. يموت على ترابها ولا يقبل التهجير عنها.

*رسالة للمسؤلين*

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول :

‏لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله عنها لِما لم تسو لها الطريق يا عمر ..

*وبس*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى