الأعمدة ومقالات الرأي

محمد عثمان الرضي يكتب: والي نهر النيل بين وهم السلطة وامتحان الكرامة

والي نهر النيل بين وهم السلطة وامتحان الكرامة

كتب محمد عثمان الرضي

 

في ختام زيارتنا إلى مدينة عطبرة، تقدم والي ولاية نهر النيل محمد البدوي عبدالماجد بطلب لقاء مع الصحفيين، مبرراً ذلك بأن الفرصة نادرة لوجود مجموعة مقدرة من قادة الرأي وصناع التأثير داخل ولايته.

منذ اللحظة الأولى لم أكن متحمساً لهذا اللقاء، بل ساورني إحساس صريح بأنه لقاء بلا جدوى، أقرب إلى المجاملة منه إلى المصارحة، ولا يحمل في طياته ما يستحق كل هذا العناء.

شعرت بأن الأمر محاولة بروتوكولية باردة، هدفها الظهور وتسجيل الحضور، لا الاستماع للنقد أو مواجهة الأسئلة الحقيقية.

لولا إصرار الزميل الإعلامي مصعب محمود، لما وافق الزملاء على اللقاء، خاصة وأن أغلبهم كان قد حزم حقائبه وقرر المغادرة.

 

ومن باب جبر الخواطر، ومن باب سياسة المجاملة التي اشتهر بها السودانيون حتى في أكثر المواقف إزعاجاً، وافقت على مقابلة الوالي.

 

جاء الوالي كعادته متأخراً، تأخيراً مستفزاً، وهذه ليست المرة الأولى، فقد سبق أن تأخر في احتفال شركة زادنا حتى تسرب الملل والاستياء إلى نفوس الحضور.

 

تأخر المسؤول ليس تفصيلاً عابراً، بل رسالة واضحة تعكس نظرته للوقت، وللناس، وللمسؤولية العامة.

 

الزميلان الجليلان عابد سيد أحمد وعبدالعظيم صالح، وهما من أبناء ولاية نهر النيل وتحديداً مدينة شندي، تفاجآ في اللحظات الأخيرة بأنني أزور ولايتهما للمرة الأولى.

اجتهدا بصدق في تحسين صورة الولاية، وتحدثا بحب وانتماء، لكن والي الولاية خذلهما تماماً بسلوكه وحديثه.

وأثناء استماعنا لحديث الوالي، تم تمرير ورقة للصحفيين طُلب فيها تدوين الاسم، والجهة، ورقم الهاتف، ورقم الحساب البنكي الشخصي.

توقفت طويلاً عند هذه الخطوة، فكتابة رقم الحساب لم تكن بريئة، بل عكست فهماً مشوهاً لدور الصحافة وكرامة الصحفي.

كأن الوالي وأعوانه يتخيلون أننا جئنا نمد أيدينا طلباً للعطايا أو الحوافز أو الصدقات.

نعم، الظروف الاقتصادية قاهرة، لكن الصحفيين، مهما اشتدت الأزمات، أعزاء، لا يبيعون الكلمة ولا يقايضون المواقف.

لم يعجبني إطلاقاً حديث الوالي أبوقرون، وهو يتحدث بنبرة تعالٍ فجّة عن قدوم النازحين إلى ولايته بسبب الحرب.

استخدم مفردة “الوافدين”، وكأن هؤلاء غرباء لا مواطنون سودانيون أصلاء دفعتهم نيران الحرب إلى البحث عن الأمان.
وظل يكرر أسلوب المنّ والتباهي، نحن من آويناهم، نحن من أطعمناهم، نحن من ساعدناهم، وكأن الأمر منّة شخصية لا واجب دولة.
كأنه يصرف عليهم من جيبه الخاص، لا من مال عام هو حق أصيل لهم قبل أن يكون حقاً لغيرهم.

لابد أن يعلم الوالي أبوقرون أن ما يُصرف على النازحين هو من المال العام، مال دُفع عبر الرسوم والجبايات لعشرات السنين.
ولابد أن يعي والي ولاية نهر النيل أنه خادم للشعب السوداني، لا سيداً عليه، ولا يملك حق المنّ أو التباهي.

المنصب تكليف لا تشريف، ومسؤولية لا غنيمة، وخدمة لا استعلاء.

هذه أول زيارة لي إلى ولاية نهر النيل، وكنت أتوقع تعاملاً أفضل يليق بتاريخ المنطقة وأهلها.
لكن أقدار الله شاءت أن نُبتلى بنماذج من المسؤولين يختزلون الدولة في ذواتهم ويقيسون النجاح بحجم الخطاب لا أثر العمل.

اللهم ولِّ علينا خيارنا، ولا تولِّ علينا من لا يعرف قيمة الناس ولا يحترم كرامتهم.

المفارقة اللافتة أن اللقاء عُقد داخل قصر شيده الرئيس الراحل جعفر نميري بطراز معماري مختلف ليكون معلماً تاريخياً ورمزاً للدولة.
غير أن الوالي استغل المكان أسوأ استغلال، وظل يتباهى بأنه يجلس اليوم على ذات الكرسي الذي كان يجلس عليه الرئيس الأسبق جعفر نميري.
وكأن الجلوس على الكرسي يصنع رجال دولة، أو يمنح شرعية، أو يورث تاريخاً.
المقارنة بين الوالي أبوقرون والرئيس الراحل جعفر نميري مقارنة منعدمة من الأساس، ولن يستطيع أبوقرون أن ينجز واحداً في المائة مما فعله نميري، فالبون شاسع والفارق تاريخي.

وعلى النقيض تماماً، انتابتني حالة من الحزن الممزوج بالاحترام حين زرت والدة مدير شرطة ولاية نهر النيل السابق اللواء شرطة سلمان محمد الطيب، وكانت طريحة الفراش داخل مستشفى الشرطة بمدينة عطبرة.

وهي ذات المستشفى التي تمت إعادة صيانتها وتأهيلها بالكامل في عهده، ما منح الزيارة بعداً إنسانياً ومعنوياً عميقاً.

الجنرال سلمان، بما عُرف عنه من ذكاء وحس بالمسؤولية، اغتنم وجوده بهدوء، وحملني في جولة ميدانية داخل أقسام المستشفى، كاشفاً عن حجم الإنجازات والإضافات التي تمت في عهده، رغم أن جزءاً من المستشفى تحطم جراء هجوم طائرة مسيرة أطلقتها مليشيا الدعم السريع.

هنا يتجلى الفرق بين من يعمل في صمت ومن يتباهى بالكراسي، بين من يترك إنجازاً يتحدث عنه الواقع، ومن لا يملك سوى الخطاب.

ولاية نهر النيل تُعد الولاية الأولى من حيث إنتاج معدن الذهب، وتضم أعداداً مهولة من العاملين في قطاع التعدين، وهو واقع يظهر جلياً على جانبي الطرقات التي تعج بالآليات الثقيلة المخصصة للتنقيب.

ولو أُحسن توظيف الرسوم والعائدات التي تُحصَّل من هذا القطاع الحيوي، وبقليل من الإدارة الرشيدة، لتحولت ولاية نهر النيل إلى جنة الله في الأرض، لا تشكو تدهور خدمات ولا تشوه مداخل.

وسكان ولاية نهر النيل، بعيداً عن أداء المسؤولين، فرسان وأهل واجب وكرماء وأصحاب مواقف تاريخية قديمة ومتجددة.
فتحوا قلوبهم قبل بيوتهم للمتضررين من ويلات الحرب، وأخلوا منازلهم للنازحين، وفضّل بعضهم العيش في العراء إكراماً لإخوتهم.

هؤلاء هم الرصيد الحقيقي للولاية، وهم من يستحقون الإشادة والتقدير، لا أولئك الذين يتباهون بالكراسي ويغيبون عن جوهر المسؤولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى