الأعمدة ومقالات الرأيسياسية
أخر الأخبار

محمد عثمان الرضي يكتب: مفضل في واشنطن: عندما تتكلم المخابرات ويصمت العالم

مفضل في واشنطن: عندما تتكلم المخابرات ويصمت العالم

كتب محمد عثمان الرضي

في واحدة من أكثر التحركات حساسية في تاريخ الدولة السودانية الحديث، نفّذ المدير العام لجهاز المخابرات العامة الفريق أول أمن أحمد إبراهيم مفضل زيارة وُصفت بأنها الأخطر والأكثر تأثيراً منذ توليه قيادة الجهاز.

 

زيارة لم تُعلن، ولم تُسرَّب تفاصيلها، وضُرب حولها سياج محكم من السرية، في انسجام كامل مع طبيعة الملفات التي نوقشت والرسائل التي أُريد لها أن تصل بلا ضجيج.

واشنطن كانت الوجهة، والتوقيت لم يكن عابراً، بل محسوباً بدقة تعكس عقلية استخباراتية تعرف متى تتحرك ومتى تلتزم الصمت.

الزيارة جاءت في لحظة مفصلية تمر بها البلاد، حيث تتقاطع فيها المعركة العسكرية مع الصراع الدبلوماسي والاستخباري على حد سواء.

انتصارات الجيش السوداني والقوات المساندة في الميدان كانت حاضرة بقوة في خلفية المشهد، مقابل التراجع الكبير والهزائم المتلاحقة لمليشيا قوات الدعم السريع.

هذا التحول الميداني خلق واقعاً جديداً فرض نفسه على طاولة القرار الدولي، وجعل من السودان رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه.

في هذا السياق، تحرك الفريق مفضل وهو يدرك أن المعارك الكبرى لا تُحسم بالبندقية وحدها، بل بالعقل والمعلومة وإدارة المصالح.

الملفات التي نوقشت في واشنطن لم تكن عادية، بل شديدة الحساسية، وتمس صلب العلاقات بين الجهازين السوداني والأمريكي.

وُضعت خلال اللقاءات خارطة طريق واضحة المعالم، تعيد تعريف قنوات التواصل وحدود التعاون ومناطق الاشتباك الصامت بين الطرفين.

اللافت أن الزيارة تزامنت مع موجة تعاطف دولي متنامٍ مع السودان، قادتها دبلوماسية المخابرات، أو ما يُعرف بدبلوماسية “الخيار الصامت”.
هذه الدبلوماسية، البعيدة عن الأضواء، أثبتت فعاليتها في تفكيك المواقف المعادية وتحييد كثير من الضغوط الخارجية.

مصادر مطلعة تشير إلى أن الغالبية العظمى من الاختراقات الدبلوماسية التي تحققت خلال معركة الكرامة جاءت عبر بوابة جهاز المخابرات العامة.

جهود خفية، معقدة، وخطيرة، لا تُعرض على المنصات ولا تُكتب في البيانات، لكنها تصنع الفارق في لحظات الحسم.

في المقابل، ظل التقارب المتنامي بين الخرطوم وموسكو مصدر قلق حقيقي لواشنطن، في ظل التنافس الدولي المحتدم على القارة الأفريقية.

النفوذ الروسي في أفريقيا بات هاجساً دائماً لصانع القرار الأمريكي، الذي يسعى بكل الوسائل لإعادة رسم خطوط النفوذ.

من هذا المنطلق، جاءت زيارة الفريق مفضل لتفتح نافذة جديدة للفهم المتبادل، وتعيد ترتيب الحسابات الأمريكية تجاه السودان.

لم تكن الزيارة تنازلاً، بل قراءة واقعية لموازين القوى، ورسالة واضحة بأن الخرطوم تملك خيارات متعددة.

الفريق مفضل دخل واشنطن وهو يحمل أوراق قوة، لا أوراق ضعف، مستنداً إلى واقع ميداني مختلف وإجماع وطني متنامٍ.

الرسائل التي نُقلت كانت دقيقة، محسوبة، وتستند إلى مصلحة السودان العليا بعيداً عن الإملاءات.

ويبدو أن واشنطن التقطت الرسالة جيداً، وبدأت بالفعل في مراجعة مقاربتها التقليدية تجاه الملف السوداني.

الزيارة أحدثت ارتباكاً واضحاً في حسابات الأطراف الداعمة لمليشيا الدعم السريع، التي كانت تراهن على مسارات أخرى.
بل يمكن القول إن هذه الزيارة مثّلت ضربة قاصمة لتلك المليشيا على المستوى السياسي والاستخباري.

فكما دخلت المليشيا المشهد من بوابات مظلمة، بدأت نهايتها تتشكل من ذات البوابات، ولكن بعكس الاتجاه.

جهاز المخابرات العامة السوداني لعب دوراً محورياً في كشف الشبكات، وتجفيف الدعم، وعزل المليشيا خارجياً.

زيارة واشنطن جاءت لتغلق دوائر كانت ما تزال مفتوحة، وتقطع خيوطاً ظلت تُدار في الخفاء.

في هذا المشهد المعقد، برز الفريق مفضل كأحد أهم العقول التي أدارت الصراع بهدوء واحترافية.
قيادة تفهم أن الدولة لا تُدار بردود الأفعال، بل بالتخطيط البعيد والنَفَس الطويل.

ما حدث في واشنطن لن يُعلن عنه الآن، وربما لن يُعلن عنه أبداً، لكن آثاره ستظهر تباعاً على الأرض.

السودان بعد هذه الزيارة ليس كما قبلها، وموقعه في معادلة الإقليم والعالم بدأ يتغير بهدوء.
هكذا تتحرك الدول العميقة، وهكذا تعمل الأجهزة التي تعرف قيمة الصمت.

وفي زمن الضجيج، اختار الفريق مفضل أن يتحدث بلغة لا يسمعها الجميع، لكنها تُغير مسار التاريخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى