مقالات

خارجية في غيبوبة.. دبلوماسية السودان تسلّم المعركة للخصوم

 

محمد عثمان الرضي يكتب…

في وقتٍ تتجول فيه وفود قيادات «صمود» بين العواصم الأوروبية، وتلتقي بصناع القرار ورموز المجتمع السياسي والإعلامي، يبرز الغياب الفاضح لسفارات السودان في دول الاتحاد الأوروبي كواحد من أخطر مظاهر العجز الدبلوماسي في تاريخ البلاد الحديث.

 

هذا الغياب لا يمكن تفسيره بسوء تقدير عابر أو ظرف استثنائي، بل يعكس خللاً بنيوياً عميقاً داخل وزارة الخارجية، التي بدت وكأنها انسحبت طوعاً من معركة الوجود التي يخوضها السودان خارج حدوده.

 

السفارات السودانية المنتشرة في سبعٍ وعشرين دولة أوروبية تقف اليوم بلا دور ولا رسالة، بينما تتشكل مواقف دولية مصيرية تمس سيادة السودان ووحدته ومستقبله.

لم تحرك هذه السفارات ساكناً لفضح الجرائم والانتهاكات الموثقة التي ارتكبتها مليشيا قوات الدعم السريع، ولم تسعَ إلى مخاطبة البرلمانات أو مراكز الدراسات أو وسائل الإعلام المؤثرة.

في المقابل، تُركت الساحة الأوروبية مفتوحة أمام رواية مضادة، تعمل عليها المليشيا وحلفاؤها بنشاط، دون أن تجد أمامها خطاباً سودانياً رسمياً منظماً أو حتى رد فعل خجول.

الأدهى أن هذا الصمت يتم بينما تكلف هذه السفارات خزينة الدوله ملايين الدولارات سنوياً من المال العام، لتتحول من أدوات سيادية إلى عبء مالي وإداري بلا أي مردود وطني.

وجود أطقم دبلوماسية مكتملة دون نشاط أو مبادرة يطرح سؤال الكفاءة والمساءلة، ويكشف أن الأزمة لم تعد في الموارد، بل في الإرادة والإدارة.

وزارة الخارجية، وهي الجهة التي يفترض أن تقود هذا الملف، تبدو منفصلة تماماً عن واقع الحرب، وكأنها لا تدرك أن المعركة الحقيقية تُدار اليوم في الخارج بقدر ما تُدار في الداخل.

وزير الخارجية السفير محيي الدين سالم يراقب هذا التراجع المريع في أداء بعثات السودان بأوروبا دون أن يُسجل له موقف حاسم أو قرار تصحيحي، ما يفتح الباب واسعاً للتشكيك في قدرته على إدارة أخطر مرحلة دبلوماسية تمر بها البلاد.

هل هذا الصمت ناتج عن قناعة، أم عن عجز، أم عن غياب كامل لمفهوم الدبلوماسية في زمن الحرب؟ سؤال مشروع تفرضه الوقائع لا النوايا.

المشهد المرتبك يتجلى أيضاً في إدارة شؤون السفراء، حيث تحولت بعض التعيينات إلى حالات معلقة بلا أفق واضح، كما هو حال سفير السودان لدى فنزويلا السفير الهادي صديق.

فرغم تعيينه ووداعه رسمياً من قبل رئيس مجلس السيادة، حالت تطورات داخلية في فنزويلا دون سفره، ليظل عملياً مديراً لمكتب الوزير ومرافقاً له، في صورة تختزل الارتجال الإداري داخل الوزارة.

هذا الوضع الاستثنائي لم يُعالج كمؤسسة، بل جرى التطبيع معه، وكأن الخارجية فقدت حساسيتها تجاه التنظيم والانضباط المؤسسي.

أما سفير السودان لدى كينيا السفير كمال جبارة، فقد تم استدعاؤه احتجاجاً على استضافة نيروبي لقيادات المليشيا، وبقي مرابطاً في بورتسودان إلى أجل غير مسمى.

ورغم عدالة الخطوة سياسياً، إلا أن غياب خطة لاستثمارها دبلوماسياً حولها إلى موقف احتجاجي بلا أثر يُذكر على الساحة الإقليمية أو الدولية.

معركة السودان في جوهرها ليست معركة داخلية فقط، بل هي في المقام الأول معركة خارجية تُخاض في عواصم القرار ومراكز النفوذ الدولي.

ومن هنا تتعاظم أهمية وزارة الخارجية بوصفها قائدة سنام هذه المعركة خارج الحدود، إذ يقع على عاتقها تفكيك الروايات المعادية، وحشد الدعم السياسي والقانوني، وكسب معركة الرأي العام الدولي.

في زمن الحرب يتضاعف دور الخارجية أضعافاً مقارنة بزمن السلم، لأن الفشل الدبلوماسي قد ينسف أي إنجاز عسكري إذا تُركت الساحات الخارجية بلا صوت ولا فعل ولا حضور.

ومع الحديث عن عودة مؤسسات الدولة إلى العاصمة القومية الخرطوم وفق قرارات القيادة العليا، يبرز سؤال إضافي يكشف حجم الفوضى الإدارية.

ما مصير السفارات والبعثات التي ما زالت تدار من بورتسودان؟ وهل ستتحرك تلقائياً التزاماً بالقرار السيادي، أم ستظل تنتظر التعليمات من عواصم الدول المعتمدة لديها؟

أسئلة ثقيلة بلا إجابات، ووزارة خارجية تبدو غائبة عن أخطر معركة في تاريخ السودان الحديث، تاركة البلاد تقاتل وحدها، بينما الدبلوماسية في سبات عميق لا يليق بدولة تخوض معركة بقاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى