مقالات

حين تتحول مبادرات السلم الإجتماعي إلى لافتات خاوية

 

محمد عثمان الرضي يكتب…

تحوّلت مبادرات السلم المجتمعي ورتق النسيج الاجتماعي، في كثير من الأحيان، من مشاريع وطنية نبيلة إلى واجهات براقة وشعارات جوفاء لا تحمل في مضمونها أي قيمة حقيقية.

هذه المبادرات، التي يُفترض أن تكون جسوراً لعبور المجتمع من الانقسام إلى التماسك، أصبحت لدى بعض القائمين عليها وسيلة لنيل المكاسب الشخصية وحصد الزخم الإعلامي.

الغرض لم يعد السلم بقدر ما صار تضخيماً للأسماء، وتلميعاً للواجهات، واستثماراً في آلام المجتمع بدل مداواتها.

في هذا السياق، تبرز الإدارة الأهلية بوصفها أحد أعمدة التوازن الاجتماعي، ذات مهام واضحة ومسارات حركة معروفة تاريخياً.

الإدارة الأهلية تدرك دورها جيداً، وتعي حدود مسؤولياتها، وتستمد شرعيتها من الأعراف والقيم والموروثات المتجذرة في المجتمع.

غير أن الإشكال الحقيقي يبدأ حين ينحرف بعض قيادات الإدارة الأهلية عن هذا المسار، مستغلين مواقعهم الاجتماعية والقبلية لممارسة أنشطة سياسية مموهة.

هذا الاستغلال لا يضر فقط بصورة الإدارة الأهلية، بل يفرغها من مضمونها الأخلاقي، ويضعها في موضع الشبهة.

الأصل في الإدارة الأهلية أنها حمائم سلام، ورسل محبة، يتدخلون لإصلاح ما أفسده الآخرون، ويعملون على تضميد الجراح لا تعميقها.

وقد أكسبهم ابتعادهم التاريخي عن العمل السياسي احترام الجميع، وجعلهم محل ثقة لدى مختلف المكونات المجتمعية.

لكن المؤسف أن بعضهم اختار أن يحيد عن الطريق القويم، مستخدماً الإدارة الأهلية كـ«حصان طروادة» لتحقيق مآربه الخاصة.

بهذا السلوك، فقد هؤلاء بريقهم ولمعانهم، وخسروا قواعدهم الواعية والمستنيرة التي كانت ترى فيهم رموزاً للحكمة لا أدوات للمصالح.

من يرفع راية الإصلاح، وينادي بنبذ العنصرية وخطاب الكراهية، عليه أن يبدأ بنفسه أولاً قبل أن يعظ الآخرين.

فاقد الشيء لا يمكنه أن يمنحه، ومن غرق في بحور التناقض لا يصلح أن يكون داعية قيم.

الإدارة الأهلية تحكمها أعراف وقيم ومُثل صارمة، وتتحرك ضمن إطار أخلاقي واضح لا يسمح بالعبث أو التوظيف السياسي.

هي تسعى بين الناس بالخير، ولا تؤسس للفتن أو البلبلة، ولا تتجاوز على حرمات الآخرين أو حقوقهم.

همّها الأول والأخير هو الحفاظ على السلم الاجتماعي، وصون النسيج المجتمعي من التمزق.

رجل الإدارة الأهلية الحكيم هو من حافظ على أهله وعرضه ووطنه، وسار بين الناس بالحسنى.

هو من نذر ماله ووقته وجهده لإرساء القيم الفاضلة، لا لتحقيق مكاسب آنية أو شهرة زائفة.

الرجل الواعي في الإدارة الأهلية يجمع ولا يفرق، يعطي ولا يأخذ، ويسعد بخدمة مجتمعه أكثر مما يسعد بالتصفيق له.

يحزن لحزن مجتمعه، ويفرح لفرحه، وتغمره السعادة حين يرى أثر عمله في استقرار الناس.

أما من يسعى بين الناس بالفتنة، ويتغذى على خطاب الكراهية، ويرفع شعار «فرّق تسد»، فلا يصلح أن يكون قائداً.

 

حتى وإن جاء محمولاً على الأكتاف، فإن القيادة لا تُقاس بالهتاف، بل بالمواقف.

ومن ارتضى لنفسه أن يكون في خانة الإجرام والخراب، لا يمكن أن ينتقل إلى خانة العدل والبناء.

فهما خطّان متوازيان، لا يلتقيان، مهما حاولت الشعارات أن تخفي الحقيقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى