الأعمدة ومقالات الرأي
أخر الأخبار

مشروع الجزيرة..كيف نعيده من عبء على الدولة إلى قائد للاقتصاد الوطني

كتب الخبير الأقتصاد … حاتم حسن أحمد

لم يكن مشروع الجزيرة مجرد مشروع زراعي، بل كان أعظم تجربة تنموية متكاملة في تاريخ السودان الحديث، وركيزة أساسية للاقتصاد الوطني لعقود طويلة. فمن أرضه خرج القطن الذي موّل الخزينة العامة، وقامت حوله صناعات، واستقرت مجتمعات، وتكوّنت طبقة منتجة واعية.

غير أن المشروع، بفعل السياسات الخاطئة، وسوء الإدارة، وتآكل البنية المؤسسية، تحوّل من قاطرة للنمو إلى عبء ثقيل، حتى بات اليوم رمزًا لأزمة الاقتصاد السوداني بدل أن يكون عنوانًا لنهضته. والسؤال الجوهري لم يعد هل نعيد مشروع الجزيرة؟ بل كيف نعيده ليقود الاقتصاد الوطني من جديد؟

فشل المشروع وتراجعه لم يكن بسبب الأرض أو المياه أو المزارع، بل نتيجة إدارة غير رشيدة تمثل ذلك تسيس القرار الزراعي وتغييب المهنية وتعدد مراكز السلطة داخل المشروع وتفكيك الدورة الزراعية التاريخية وتدهور شبكة الري وغياب الصيانة وتحميل المزارع وحده مخاطر الإنتاج دون حماية أو حوافز كل ذلك أدى إلى تراجع الإنتاجية، وفقدان الثقة، وخروج آلاف المزارعين من دائرة الإنتاج الفعلي.

ولكن رغم كل ما أصابه، لا يزال المشروع يمتلك مقومات نادرة يمكن محاولة إجمالها حيث يمتلك أكثر من مليوني فدان مروي وشبكة ري قائمة وإن كانت متهالكة كذلك خبرات بشرية متراكمة بالإضافة وتميزه بموقع استراتيجي في قلب السودان وقابلية عالية للتنوع المحصولي وقربه من مراكز الاستهلاك والتصنيع وهذا يعني أن المشروع لم يمت، بل أُنهك، وما زال قابلًا للنهوض إذا توفرت الإرادة والرؤية.

وحتى يتعافى مشروع الجزيرة وينهض نقول لا يمكن إنقاذ مشروع الجزيرة بالمعالجات الجزئية، بل بإعادة تعريفه كـ كيان اقتصادي مستقل ويعني ذلك استقلال إداري ومالي كامل يسبق ذلك تكليف مجلس إدارة مهني لا سياسي شعاره الشفافية والمحاسبة والحفز يراقب ذلك بإدارة تُقاس بالأداء والإنتاجية.

إذ ينبغي أن يُدار المشروع بعقلية شركة إنتاج زراعي كبرى، لا كمرفق حكومي مثقل بالبيروقراطية ويتطلب ذلك إعادة بناء منظومة الري ومعلوم أن الري هو العمود الفقري للمشروع، وأي حديث عن الإحياء دون معالجة ملف الري يعتبر تغريد خارج السرب ويكون ذلك بتأهيل شامل للترع الرئيسية والفرعية وصيانة دورية ممولة ومستدامة وتقليل الفاقد المائي وإدخال تقنيات حديثة لإدارة المياه حيث كل استثمار في الري ينعكس مباشرة على زيادة الإنتاج وتقليل التكلفة.

ونقطة أخيرة المطلوب إعادة الدورة الزراعية فهي ليست مجرد تقليد قديم، بل ضرورة اقتصادية وبيئية فالقطن كمحصول نقدي وصناعي والقمح كركيزة للأمن الغذائي والذرة والبقوليات لتوازن التربة.

إن مشروع الجزيرة ليس مجرد مساحة زراعية أو إرث اقتصادي من الماضي، بل هو ركيزة سيادية للأمن الغذائي، ومحرك تاريخي للناتج المحلي الإجمالي، ومنصة متكاملة يمكن أن تعيد تشكيل الاقتصاد الوطني إذا ما أُحسن توظيفها. إن إعادة المشروع للإنتاج ليست خيارًا قطاعيًا يخص الزراعة وحدها، بل هي قضية دولة تتطلب اصطفافًا كاملًا للمؤسسات المالية والتشريعية والتنفيذية والعلمية.

إن التجارب العالمية تؤكد أن الدول التي أعادت بناء اقتصادها بعد الأزمات بدأت من استعادة أصولها الإنتاجية الكبرى، ومشروع الجزيرة هو أكبر تلك الأصول وأكثرها قدرة على توليد القيمة المضافة وسلاسل الإنتاج والتشغيل والصادرات.

إن المطلوب اليوم ليس مجرد إعادة تشغيل قنوات الري أو توفير مدخلات الإنتاج، بل إطلاق مشروع وطني شامل يعيد تأهيل البنية التحتية، ويستعيد الثقة للمزارع، ويجذب الاستثمار، ويعيد توطين الصناعات الزراعية المرتبطة بالمشروع.

فإذا توجهت الدولة بكامل إرادتها السياسية والاقتصادية نحو إعادة مشروع الجزيرة للإنتاج، فإنها لا تعيد مشروعًا زراعيًا فحسب، بل تعيد الأمل لاقتصاد وطن، وتفتح بابًا واسعًا لاستقرار العملة، وزيادة الصادرات، وخلق فرص العمل، وترسيخ السيادة الغذائية.

إن مشروع الجزيرة يمكن أن يكون مرة أخرى قلب الاقتصاد النابض… إذا قررنا أن نجعله كذلك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى