
كتبت د.فردوس عمر أبومدينة
هذا السؤال عن كيفية البداية بعد رحلة النزوح الشاقة ف
هل يعد هذا السؤال دليلا على الضياع أم أنه علامة وعيٍ واستفاقة؟
إن الركون إلى الماضي والانكفاء على الذات وانتظار الآخرين ليفكروا عنا ليس خيارا فالسؤال الحقيقي ليس عما فقدناه بل عما ينبغي أن نفعله الآن.
أَنترك أبناءنا يواجهون الجوع والمرض أم ننهض بهم ليتعلموا ويتواصلوا ويصنعوا لأنفسهم سبيلاً للحياة؟
أَنظل ننتظر الإعانات من الأقارب أو الإخوة أو مؤسسات الإغاثة أم ننفض غبار العجز وننطلق بخطوات واعية نحو أمل جديد نصنعه بأيدينا؟
بعد الحرب التي عايشناها ثم عشناها لا يكون الخراب فيما تهدم من بيوت فحسب،
بل فيما تصدع داخل النفوس:
طمأنينة كانت ويقين وإحساس بالاتجاه.
قد تبنى المدن سريعا لكن النفوس إن تركت بلا ترميم أعادت إنتاج الخراب بأشكال أخرى.
ولهذا قرر القرآن قاعدة التغيير الكبرى بقوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
إذا فلنبدأ من حيث علمنا الوحي :
من الإنسان !
قال الله تعالى:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾
فلا تطالبوا أنفسكم بما فوق الاحتمال،
ولا تجعلوا محاولة التماسك قناعا يخفي الألم.
نبدأ بالاعتراف :
فالصدق مع النفس أول أبواب الشفاء
وما أنكر في الداخل أستبد في الخفاء.
علينا أن نبدأ بإصلاح القلوب قبل ترميم الجدران
إذ قال سبحانه:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
فلا نهضة بقلوب متحجرة
ولا مستقبل بعقول استسلمت للقسوة.
نبدأ بما بقي في أيدينا لا بما فقد
فالقليل إذا صدق كثر
وقد قال النبي صلي الله عليه وسلم
«لا تحقرنّ من المعروف شيئاً».
نبدأ بالكلمة الطيبة
لأن الصمت الطويل يطيل الجراح
والبوح يعيد للإنسان إنسانيته.
نبدأ بالرحمة
فالنجاة الحقيقية ليست في بقائنا أحياء فقط،
ولكن علينا ان ألا نفقد القدرة على الإحساس بالآخرين.
وقد قال صلى الله عليه وسلم عن
«الراحمون يرحمهم الرحمن».
نحن مجتمع ذاق ويلات الحرب والنزوح واختبر الخراب في الأرواح والممتلكات وتجرع مرارة الفقد بكل أشكاله. ومع ذلك، فإن الأمل ليس وهما ولا ضرباً من الهروب من الواقع هو يقين هادئ بأن الله لا يترك الخراب بلا مخرج وقد وعد فقال:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.
ومن هذا اليقين تبدأ الخطوة الأولى ثم تليها خطوة أخرى ولو كانت مترددة. فالبدايات العظيمة لا تولد صاخبة بل تنشأ صادقة. ومن صدق مع الله هيّأ له الطريق ولو بعد حين.
جرعة أخيرة :
وختاما فإن اليقين بالله هو آخر ما ينبغي أن يسقط من بين أيدينا مهما اشتد البلاء وتعاظم الفقد. فما كان الله ليبتلي عباده ثم يتركهم ولا ليكسر قلوبا تعلّقت به ثم يعرض عنها. إنما هي سنن تمضي، وابتلاءات تمحّص ليبقى الصادقون أوضح رؤية وأقرب إلى الله وأشد تمسكاً بالأمل.
فلنقبل على الله بقلوب منكسرة لا يائسة واثقة لا متواكلة…ساعية لا مستسلمة…ولنمضِ في الطريق ولو بخطوات واهنة فإن الله لا يضيع السعي ولا يخيب الرجاء. ومن توكل عليه حق التوكل كفاه، وفتح له من أبواب الفرج ما لا يخطر له على بال.
مع كامل الود



