مقالات

حواء السودان… صبرٌ يكتب تاريخ البقاء وبذرة الأمل

 

إيمان مزمل الرشيد  تكتب… الأمل الجديد

يحمل يوم المرأة العالمي في الثامن من مارس معنىً عالميًا بإعتراف العالم بدور المرأة وقوتها وصبرها عبر التاريخ. لكن لهذا اليوم معنى أعمق حين نتأمل حياة النساء في السودان فخلف هذا التاريخ تقف حكايات ثقيلة من الحرب والفقد والصبر، كتبتها نساء حملن الوطن في قلوبهن عندما ضاقت به الأرض، ومع ذلك واصلن حماية ما تبقى من الحياة وبذرن بذرة الأمل.

 

حين نتحدث عن المرأة في السودان فإننا لا نتحدث عن إحتفاء رمزي فحسب، بل عن حكايات صبرٍ طويلة، وقلوبٍ أثقلتها الحرب، وأكتافٍ حملت ما تعجز عنه الجبال.

 

حواء السودان ليست مجرد عنوان لامرأةٍ تعيش بيننا إنها أمٌ حملت الوطن في صدرها، وأختٌ صبرت على الغياب، وزوجةٌ واجهت قسوة الأيام، وابنةٌ كبرت قبل أوانها لأن الحياة فرضت عليها ذلك.

 

في زمن الحرب، أفرز الكثير من الفقد، إلى جانب الحصار والنزوح واللجوء والشتات والتشرد. لم تفقد المرأة السودانية أشخاصًا فقط، بل فقدت أشياء كثيرة : منزلها الذي إحتضن ذكرياتها، والأمان الذي عاشت تحرسه سنوات، وحصاد عمرٍ كاملٍ بنته بصبرٍ يومًا بعد يوم، وكثيرات خرجن من بيوتهن بلا شيء سوى أطفال يرتجفون وخوف يسكن القلوب.

 

الحرب لم تسرق الرجال فقط، بل سرقت الطمأنينة أيضًا، وأجبرت نساءً كثيرات على أن يُجهضن أحلامهن الصغيرة وسعادتهن البسيطة. كأن الحياة التي كانت تنتظر أن تولد يومًا ما تحولت فجأة إلى ألمٍ جديد، وإلى واقعٍ قاسٍ كان على المرأة أن تتعلم كيف تعيشه وترعاه رغم قسوته.

 

ورغم كل ذلك، وقفت المرأة السودانية في الصفوف الأولى للحياة، تجمع شتات الأسرة بعد أن فرّقتها الطرق، وتمسح دموع الأطفال بينما تخفي دموعها في صمتٍ وحزنٍ نبيل. كثيرات فقدن أبًا أو زوجًا أو أخًا، لكن الفقد لم يكن الجرح الوحيد؛ كان الجرح الأكبر أن عليهن الاستمرار رغم كل شيء.

 

لكل امرأةٍ في السودان قصة تختلف عن الأخرى: قصة معاناة، أو تضحية، أو مثابرة. هناك من وقفت شامخة متحدية قسوة الظروف، قاومت الفقد والجوع والخوف وأصرت أن تحمي ما تبقى من الحياة. وهناك من أنهكها التعب فاستسلمت للحزن، وهذا أيضًا حق إنساني لا يُلام عليه أحد، فالحروب لا تترك القلوب كما كانت.

 

لكن الحقيقة المؤلمة أن كثيرًا من النساء في مجتمعنا ما زلن يفقدن حقوقهن. بعضهن لا يعرفن تلك الحقوق ، وبعضهن تقف أمامهن عادات قاسية أو نظرة مجتمعٍ ظالمة و خوفٌ من كلام الناس. وبين الجهل بالحق والخوف من المطالبة به تضيع كرامة نساء كثيرات.

 

والحق الذي يجب أن يُقال بوضوح: إن المرأة في ديننا وفي إنسانيتنا مكرّمة عزيزة. لقد كرّمها الله تعالى أمًا وبنتًا وزوجة، وجعل لها مكانة عظيمة لا يجوز لأحد أن ينتقص منها. كما أن القوانين وُجدت أساسًا لحماية الإنسان وكرامته، والمرأة ليست استثناءً من ذلك. ومتى ما وقفت المرأة بثقةٍ وقوة وطالبت بحقها، فإن القانون يمكن أن يكون سندًا لها، لا خصمًا في وجهها.

 

فالمجتمع الذي يحفظ كرامة نسائه هو مجتمعٌ يحفظ مستقبله. فالمرأة ليست نصف المجتمع فحسب، بل هي القلب الذي يمده بالحياة.

 

أنا اليوم لا أكتب مجرد كلمات في مناسبة عابرة، بل أكتب إيمانًا بأن خلف كل معاناة حكاية قوة لم تُروَ بعد. أكتب لأقول لكل امرأة سودانية إن قصتكِ مهمة، وإن صبركِ ليس عاديًا، وإن قوتكِ التي ظهرت في أحلك الظروف هي بذرة الأمل التي سيولد منها غدٌ أفضل.

 

يا حواء السودان، ربما أخذت الحرب منكِ الكثير، وربما حملتِ من الألم ما لا يُرى. لكنكِ ما زلتِ قادرة على أن تكوني بداية الأمل. ثقي بنفسك، اعرفي حقك، وارفعي رأسك عاليًا، فأنتِ لستِ ضعيفة كما يريد البعض أن يراكِ، بل أنتِ أصل الحكاية كلها.

 

فالغد لا يصنعه اليأس، بل تصنعه القلوب التي ترفض الإستسلام… والمرأة السودانية كانت دائمًا واحدة من تلك القلوب.

 

كل عام وأنتنَّ بخير…

وكل عام حواء العالم، وحواء السودان، أكثر قوةً ووعيًا وأملًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى