كامل إدريس… رئيس وزراء يهرب من أوجاع الوطن

محمد عثمان الرضي يكتب…
في الوقت الذي تتساقط فيه دماء الشهداء على تراب السودان في معركة الكرامة، حيث يخوض الجيش السوداني حرباً شرسة ضد مليشيا قوات الدعم السريع المتمردة، وفي الوقت الذي تمتلئ فيه أرض الوطن بأشلاء الأبرياء الذين دفعوا ثمن هذه الحرب اللعينة، يطل علينا مشهد صادم يكشف حجم الانفصال بين السلطة ومعاناة الشعب.
وفي الوقت الذي ترتفع فيه صرخات الأيتام والثكالى في كل مدينة وقرية، وتُقام سرادق العزاء في بيوت السودانيين، بينما تتوشح الأمهات بالسواد حزناً على فلذات أكبادهن الذين سقطوا دفاعاً عن الوطن، يبدو أن رئيس الوزراء كامل إدريس يعيش في عالم آخر لا علاقة له بوجع السودان.
السودانيون اليوم ما بين شهيد وجريح وأسير ومفقود، وما بين نازح يفترش الأرض ولاجئ يطرق أبواب الدول طلباً للأمان. مأساة إنسانية كبرى يعيشها شعب كامل، ومع ذلك يتصرف رئيس الوزراء وكأن البلاد تعيش أيام رخاء وسلام.
فقد تفاجأ الرأي العام بمغادرة كامل إدريس أرض الوطن متوجهاً إلى الأراضي المقدسة لأداء العمرة، ثم شد الرحال بعدها إلى العاصمة السويسرية جنيف لقضاء عطلة عيد الفطر مع أسرته، في مشهد أثار موجة غضب واسعة بين السودانيين.
ليس الاعتراض هنا على أداء العمرة، فهي شعيرة عظيمة، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل هذا هو التوقيت المناسب لرئيس حكومة يقود بلداً غارقاً في أتون حرب مدمرة؟
أليس الأولى والأجدر به أن يبقى بين شعبه وجيشه في هذه اللحظات المصيرية؟ أليس من الأجدر أن يقضي أيام العيد بين الجنود المرابطين في الخنادق، يشاركهم المعاناة ويرفع معنوياتهم؟.
كان يمكن لرئيس الوزراء أن يبعث برسالة قوية إلى الداخل والخارج لو أنه اختار أن يقضي العيد في الميدان، وسط المقاتلين الذين تركوا أمهاتهم وزوجاتهم وأطفالهم دفاعاً عن السودان.
لكن كامل إدريس اختار طريقاً آخر؛ طريق الراحة الشخصية والابتعاد عن لهيب المعركة، وكأن ما يجري في السودان لا يعنيه إلا بقدر ما يراه من خلف نوافذ الطائرات وصالات السفر.
هذه ليست مجرد رحلة عادية، بل رسالة سياسية ونفسية خاطئة في توقيت بالغ الحساسية، حيث ينتظر الشعب من قياداته أن تكون في مقدمة الصفوف لا في صالات المطارات.
الجنود في الميدان لا يعرفون طعم الإجازات ولا رفاهية السفر، وقادة القوات النظامية بمختلف تشكيلاتها يقضون أيامهم ولياليهم في ساحات القتال دفاعاً عن الوطن.
أما رئيس الوزراء، الذي يفترض أن يكون رأس السلطة التنفيذية وقائد الإرادة الوطنية في زمن الحرب، فقد اختار أن يمنح نفسه إجازة بعيداً عن كل هذا الألم.
يبدو أن كامل إدريس في حاجة ماسة إلى دروس مكثفة في معنى الحس الوطني، وإلى محاضرات حقيقية في معنى الانتماء لتراب هذا البلد الذي ينزف.
فالوطنية ليست خطابات تُلقى من خلف المكاتب، ولا بيانات تُقرأ أمام الكاميرات، بل مواقف تُصنع في اللحظات العصيبة.
والقيادة الحقيقية تُقاس عندما تكون البلاد في خطر، لا عندما تكون الأمور مستقرة.
لو أن رئيس الوزراء اتخذ قراراً شجاعاً بإحضار أسرته من جنيف إلى السودان، وقضى معهم عطلة العيد وسط شعبه وفي أرض وطنه، لكانت تلك رسالة وطنية بالغة القوة.
كانت ستصل إلى الجنود في الخنادق، فتزيدهم عزيمة وإصراراً.
وكانت ستصل إلى الأعداء أيضاً، لتقول لهم إن قيادة السودان تقف بثبات على أرضها ولا تفكر في الهروب منها.
لكن للأسف، يبدو أن كامل إدريس لا يرى أبعد من دائرة مصالحه الضيقة، ولا ينظر إلا إلى ما تحت قدميه.
السودان اليوم في حالة حرب وجودية، ولا يليق برئيس وزرائه أن يتعامل مع هذه اللحظة التاريخية بعقلية السائح الذي يبحث عن محطة استراحة.
إن أقل ما ينتظره الشعب من رئيس حكومته أن يكون مرابطاً في موقعه، ثابتاً إلى جانب جيشه وشعبه حتى تحرير آخر شبر من أرض الوطن.
بعد ذلك فقط يمكنه أن يبحث عن الراحة، وأن يذهب إلى أسرته مرفوع الرأس، وسيجد حينها أن السودانيين جميعاً يجلونه ويحترمونه.
أما الهروب من لحظة الاختبار، فلن يترك في ذاكرة الشعب سوى علامة استفهام كبيرة لن تمحوها الأيام.



