في حضرة الحبيب… حين تلامس الأرواح روضةً من رياض الجنة

محمدعثمان الرضي يكتب…
تشرفت ظهر هذا اليوم المبارك، الأحد السادس والعشرين من شهر رمضان لعام 1447هـ الموافق الخامس عشر من مارس 2026، بزيارةٍ تعد من أعظم لحظات العمر وأجلّها، حين أكرمني الله بالوقوف في أشرف بقاع الأرض بعد بيت الله الحرام، في الروضة الشريفة بالمسجد النبوي في المدينة المنورة، حيث تتنزل السكينة وتفيض الرحمة، وتخشع القلوب إجلالاً لسيد الخلق أجمعين رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هناك، في ذلك الموضع الطاهر الذي قال عنه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة»، أدركت أن الكلمات تضيق وأن اللغة تقف خاشعة أمام هيبة المكان، فليست الروضة مجرد مساحة من الأرض، بل هي سر من أسرار الطمأنينة الإلهية التي تلامس القلوب قبل الأبصار.
دخلت الروضة الشريفة وقلبـي يسبق خطواتي، وروحي تحلق قبل جسدي، كأنني أعبر من عالم الدنيا بضجيجه وهمومه إلى فضاء آخر تغمره الطمأنينة والسكينة واليقين.
هناك صليت ركعتين، فكانت ركعتان تختصران رحلة العمر، ركعتان حملت فيهما القلب بكل ما فيه من رجاء وخشوع، ورفعت فيهما الأكف إلى الله سبحانه وتعالى أسأله من خير الدنيا والآخرة.
دعوت الله أن يتقبل مني، وأن يكتب الخير لكل من أحب، وأن يشمل برحمته أهلي وأصدقائي وسائر المسلمين، فالدعاء في حضرة هذا المكان الطاهر يخرج من القلب صافياً كأنه نداء روحٍ إلى خالقها.
الحق يقال إن الروضة الشريفة ليست وصفاً مجازياً للجنة، بل هي قطعة من نور الجنة في أرض المدينة، تشهد بذلك حالة السمو الروحي التي تغمر الداخل إليها دون استئذان.
فما إن يطأ المؤمن أرضها حتى يشعر بأن قلبه قد تحرر من أثقال الدنيا، وكأن هموم الحياة كلها تقف خارج حدود الروضة ولا يسمح لها بالدخول.
وقفت بين بيت النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، ذلك الموضع الذي شهد أعظم لحظات الرسالة، حيث كان الحبيب يعلم الصحابة، ويهدي البشرية إلى نور الهداية.
في تلك اللحظة شعرت بعظمة التاريخ، وكأن الزمن عاد قروناً إلى الوراء، وكأن مجلس النبي ما زال قائماً، والصحابة الكرام يجلسون حوله يستمعون لكلماته النورانية.
غمرني إحساس عميق بأنني في ضيافة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أُلقي عليه السلام وأحمل إليه محبة الملايين من المسلمين الذين تهفو قلوبهم لزيارته والصلاة في مسجده.
كان سلاماً يخرج من القلب قبل الشفاه، سلاماً ممزوجاً بالشوق والتوقير والمحبة التي زرعها الله في قلوب المؤمنين لنبيه الكريم.
تلك اللحظات القليلة داخل الروضة بدت لي وكأنها زمن خارج حساب الساعات، لحظات يعيش فيها الإنسان حالة صفاء نادر لا يتكرر كثيراً في حياة البشر.
تجردت الروح من ضجيج الحياة، وانطفأت بريق الدنيا في داخلي، وغابت عن الذاكرة كل مظاهر السلطة والجاه والمال.
شعرت أنني خلعت ثوب الدنيا بكل ما فيه من صخب وزينة، وارتديت ثوباً أقرب ما يكون إلى لباس الآخرة.
في الروضة الشريفة تتغير موازين الأشياء، فتصغر الدنيا في عينك، وتكبر الآخرة في قلبك، ويصبح همّ الإنسان الأول هو رضى الله وحسن الخاتمة.
السكينة التي تسكن هذا المكان ليست سكينة عادية، بل هي سكينة ربانية تفيض على القلوب فتغمرها بالطمأنينة والخشوع.
هناك يتأمل الإنسان السيرة النبوية العطرة، ويتذكر كيف انطلقت من هذا المكان رسالة غيرت وجه التاريخ وفتحت للبشرية أبواب النور والهداية.
تستحضر في تلك اللحظات صورة النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخاطب أصحابه، يعلمهم الدين، ويغرس في قلوبهم القيم التي قامت عليها أعظم حضارة عرفها الإنسان.
كل زاوية في الروضة تحكي قصة من قصص النور، وكل خطوة فيها تذكّر المؤمن بعظمة هذا الدين الذي جمع بين الرحمة والعدل والهداية
كنت أعيش لحظات روحانية عالية لا تستطيع اللغة أن تصفها بدقة، لأن المشاعر في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم أكبر من أن تحيط بها الكلمات.
كنت أستشعر عظمة النعمة التي أنعم الله بها عليّ حين كتب لي الوقوف في هذا الموضع المبارك في هذا الشهر العظيم.
رمضان في المدينة المنورة له طعم آخر، فكيف إذا كان في العشر الأواخر، حيث تتضاعف الرحمات وتتنزل البركات ويبحث المؤمنون عن ليلة القدر.
وفي تلك الليالي المباركة يشعر الإنسان أن أبواب السماء أقرب ما تكون إلى الأرض، وأن الدعاء يخرج من القلب فيصعد مباشرة إلى خالقه.
كانت تلك اللحظة حلماً انتظرته طويلاً، لحظة تمنيت أن تظل ساكنة في الذاكرة ما بقي من العمر.
لكن لكل زيارة نهاية، فقد جاء أفراد الأمن بلطفهم المعهود ليبلغونا بانتهاء زمن الزيارة حتى تتاح الفرصة لغيرنا من الزائرين.
امتزجت في تلك اللحظة مشاعر الفرح والحزن، فرحٌ بما نلت من شرف الزيارة، وحزنٌ لأن القلب لا يشبع من الوقوف في هذا المكان المبارك.
غادرت الروضة الشريفة وأنا أحمل في داخلي نوراً لا ينطفئ، وذكريات ستظل تسكن الروح ما حييت.
أسأل الله أن يتقبل منا هذه الزيارة المباركة، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يكتب لنا العودة إلى مسجد نبيه مرات ومرات.
وأسأله سبحانه أن يرزقنا جميعاً شفاعة نبيه الكريم يوم القيامة، وأن يحشرنا في زمرته، وأن يكرمنا بلقائه في جنات النعيم.
إنها لحظة من عمر الإنسان لا تُنسى، لحظة يقف فيها القلب خاشعاً بين بيت ومنبر سيد الخلق، في أعظم شهر، وفي أعظم لياليه، راجياً من الله القبول والرضا وحسن الخاتمة.



