حين يطرق الرئيس أبواب القبائل: رسائل الشرق بين المجاملة والسياسة

محمد عثمان الرضي يكتب…
تابعتُ باهتمام بالغ الزيارات التي قام بها رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى قيادات ورموز الإدارة الأهلية بشرق السودان بولاية كسلا، في مشهد لافت حمل أبعاداً تتجاوز الطابع البروتوكولي.
الزيارات شملت نظار قبائل البني عامر والهدندوة والحلنقة، وهي مكونات ذات ثقل اجتماعي وسياسي في الإقليم، ما منح التحرك الرئاسي أهمية خاصة.
وجاءت هذه الجولة في إطار التهاني بمناسبة حلول عيد الفطر المبارك، وهي مناسبة درجت القيادات الرسمية على توظيفها لتعزيز الروابط مع المجتمع.
لكن المألوف في مثل هذه المناسبات أن يستقبل رئيس الدولة المهنئين في مكتبه أو في موقع رسمي محدد، وفق ترتيبات دقيقة وجداول زمنية تبدأ من أول أيام العيد.
هذا التقليد يعكس هيبة الدولة ومكانة المنصب، حيث يؤتى للرئيس ولا يأتي، في صورة ترسخ رمزية السلطة.
غير أن ما حدث هذه المرة كسر القاعدة تماماً، إذ بادر الرئيس بالانتقال إلى قيادات الإدارة الأهلية في مناطقهم.
هذه الخطوة، في ظاهرها، تحمل طابع التواضع والتقارب، لكنها في عمقها تثير العديد من التساؤلات السياسية.
زيارة كبار القوم في ديارهم ليست حدثاً عابراً يمكن تجاوزه بسهولة، بل تستوجب التوقف والتحليل من زوايا متعددة.
فمثل هذه الزيارات تعكس تحولاً في أسلوب التعاطي مع القيادات التقليدية، وربما إعادة ترتيب للأولويات.
كما أنها قد تشير إلى إدراك متزايد لأهمية الإدارة الأهلية في معادلة الاستقرار السياسي والاجتماعي.
ولا يمكن فصل هذه التحركات عن السياق العام الذي تمر به البلاد، خاصة في ظل التحديات الأمنية والسياسية الراهنة.
في المقابل، قد يكون من الصعب على رئيس مجلس السيادة القيام بزيارات مماثلة لإقليم كردفان ودارفور في هذا التوقيت بسبب ظروف الحرب.
وهذا ما يجعل شرق السودان، بحكم استقراره النسبي، ساحة مناسبة للتحركات السياسية والرسائل الميدانية.
ومن الواضح أن الزيارة تحمل في طياتها رسائل متعددة، أولها التأكيد على تماسك الشرق ووقوفه خلف القيادة.
كما تسعى، على ما يبدو، إلى تعزيز الروابط مع القيادات الأهلية وكسب تأييدها في مرحلة حرجة.
فالمرحلة الحالية تتطلب، بلا شك، توحيد الجبهة الداخلية وتخفيف حدة التباينات بين المكونات المختلفة.
وقد تكون هذه الجولة محاولة لإعادة بناء الثقة بين المركز والأطراف، وهي علاقة ظلت تعاني من توترات مزمنة.
وفي جانب آخر، يمكن قراءة الزيارة كرسالة طمأنة للمجتمع المحلي بأن القيادة قريبة من همومه وتفاصيله.
لكن في المقابل، تطرح هذه الخطوة تساؤلات حول مدى استدامة هذا النهج، وهل هو تحول دائم أم مجرد تكتيك مرحلي.
كما تفتح الباب أمام نقاش أوسع حول دور الإدارة الأهلية في المشهد السياسي، وحدود تأثيرها في صناعة القرار.
ومن اللافت أن رئيس مجلس السيادة ظل يردد في مناسبات سابقة عبارة “يا ناس الشرق أمشوا اتفقوا وتعالوا”، مشترطاً توافقهم لنيل حقوقهم.
هذه العبارة ظلت محل جدل واسع، خاصة في ظل واقع الانقسامات الذي تعيشه مكونات الإقليم.
غير أن زيارة الأمس قد تعيد طرح السؤال: هل تغير الموقف الرسمي تجاه قضايا الشرق؟
وهل تعني هذه الخطوة اعترافاً ضمنياً بضرورة الانفتاح على جميع المكونات دون اشتراطات مسبقة؟
أم أنها مجرد محاولة لاحتواء المطالب المتصاعدة دون تقديم حلول حقيقية على الأرض؟
في كل الأحوال، تبقى هذه الزيارة حدثاً سياسياً مهماً، يكشف عن تحولات في الخطاب والممارسة، ويضع القيادة أمام اختبار جاد في كيفية ترجمة الرسائل إلى واقع ملموس.



