مقالات

شقائق الأرواح ومستودع الأسرار

 

د.فردوس عمر عثمان أبومدينة تكتب…جرعة وعي

من رحم الضلع القريب من الفؤاد، ولدت الشراكة الأجمل في الكون. فالمرأة لم تخلق لتكون خلف الرجل فينسى أثرها ولا فوقه فيختل التوازن بل خلقن ‘شقائق للرجال رفيقة درب وقسيمة روح يداً بيد نحو غد يصنعانه معا.”

فلم يكن وجود المرأة يوما هامشا في كتاب البشرية فهي الشطر المتمم لقصة الخلق. فكما يتنفس الصبح بالضياء، يتكامل الكون بوجودها فهي والرجل شقيقان في خطوة المسير وحليفان في بناء المصير لا ينفصل نبض أحدهما عن الآخر.”

إن العبارة التي يرددها البعض في مجالسهم بجهل أو غلظة “النساء ناقصات عقل ودين” لم تخرج من مشكاة النبوة لتكون سياطا تجلد كبرياءها بل كانت في عمقها ترنيمة نبوية تحتفي بخصوصية التكوين وعظمة المهمة التي لا يطيقها أعتى الرجال. “فنقص العقل” الذي تحدّث عنه المصطفى صلى الله عليه وسلم في سياق يفيض بالمداعبة والرفق، لم يكن يوما طعنا في قدراتها الذهنية أو ذكائها المتوقد فكيف يكون ذلك والتاريخ يزخر بأسماء نساء كن منارات في العلم والسياسة والحكمة؟ إنما هو “كمال العاطفة” التي جبلها الله عليها لتكون محضنا للسكينة ونهرا للحنان فغلب قلبها عقلها ليتسنى لها الصبر على وهن الحمل وآلام المخاض وسهر الليالي بجانب مهد لا يهدأ. يقول الأديب الفيلسوف عباس محمود العقاد في تأمله لعمق هذا التكوين: “إن المرأة لم تخلق لتكون نسخة مكررة من الرجل، بل لتكون مكملة له، وما يراه الجاهل نقصا هو في حقيقته تمام الوظيفة التي خلقت لها كباعثة للحياة وسكن للروح”. وهذا ما يصدقه قوله تعالى في محكم التنزيل: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} فالسكن لا يتحقق بجمود المنطق وحده، بل برقة المشاعر وفيض الوجدان.

 

أما ذلك “النقص في الدين” الذي قد يسيء البعض فهمه، فهو في حقيقته “رخصة الرحمة” ورفق الخالق بضعف المخلوق. إن إعفاء المرأة من الصلاة والصيام في فترات ألمها وتعبها ليس عقوبة ولا تهميشا، بل هو تقدير إلهي لتضحياتها الجسدية والنفسية. فكيف يسمى نقصا ما هو في الأصل “عبادة الامتثال” لأمر الله بترك العبادة؟ إن المرأة التي تترك الصلاة طاعة لربها هي في خلوة إيمانية لا تقل شأنا عن القائم الساجد، وقد أكد القرآن الكريم على هذه المساواة الروحية المطلقة في قوله سبحانه: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ ۖ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} هذه “البعضية” هي قمة التلاحم الإنساني الذي يجعل من الرجل والمرأة كيانا وأحدا يشد بعضه بعضاً.

 

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أرأف الناس بالنساء، وهو الذي وضع القاعدة الذهبية حين قال: “النساء شقائق الرجال”، والشقائق في لغتنا العربية الجميلة هما القطعتان من الشيء الواحد انشقتا فصارتا نصفين متساويين في القيمة والقدر. فكيف يستقيم في قلب مؤمن أن يكون “الشقيق” مهانا أو منتقصا؟ إن وصيته الأخيرة في حجة الوداع كانت نداءا خالدا للقلوب: “استوصوا بالنساء خيراً” لم تكن وصية لضعيفة، بل وصية لغالية يخشى عليها من جفاء القلوب التي لا تدرك سرّ جمالها. ويقول في حديث يقطر حبا وتقديرا : “خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي”.

 

يا من تلوك لسانك بكلمة “ناقصة” لتبرر بها استعلاء زائرا تذكر أنك تنقص من قدر الأم التي هزت مهدك بيمينها، والزوجة التي هي سترك وسكنك، والابنة التي هي ريحانة حياتك وبابك إلى الجنة. إن المرأة هي “التمام” الذي يكتمل به الوجود، وهي “العقل” الذي يدبر بحكمة الحب، و”الدين” الذي يتجلى في أبهى صور الصبر والتضحية. إن الوعي الحقيقي يبدأ حين ندرك أن الله خلقنا متكاملين لا متنافسين، وأن ميزان التفاضل الوحيد هو التقوى، حيث لا ذكر ولا أنثى إلا بما قدمت أيديهم من خير للبشرية. فالمرأة كانت ولا تزال، هي روح الحياة، ونبض الوجود، وأجمل ما جادت به يد القدر في رحلة الإنسان على هذه الأرض، فرفقا بالقوارير، فإنهن شقائق الأرواح ومستودع الأسرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى