كتبت: د.فردوس عمر عثمان أبومدينةً بروفيسور مشارك جرعة وعي : هندسة المسافرات

كتبت: د.فردوس عمر عثمان أبومدينةً بروفيسور مشارك
جرعة وعي : هندسة المسافرات
متابعات ريام نيوز
في فلسفة الوجود لا توجد معركة أشرس من معركة “التعامل مع الناس”؛ فهي ميدان يختلط فيه الصدق بالتمثيل وتتحول فيه المودة أحيانا إلى فخاخ منصوبة.
السلامة هنا لا تعني “الهروب” بل تعني “السيادة”؛ أي أن تتقن فن المداراة دون أن تفقد ذاتك وأن تعبر جسور الآخرين دون أن تسقط في هاوية خديعتهم، إنها “هندسة المسافات” التي تجعلك قريبا بما يكفي للدفء بعيدا بما يكفي للسلامة.
وقد كتب الكثيرون عن محاسن ترك مسافة أمان بين الناس خصوصا مع من تحب فلا الاقتراب الزائد محمود ولا الجفاء والبعد محمود أيضا فخير الأمور الوسط وخير العلاقات ما تبقى على مسافة يحافظ فيها الطرفان على خصوصية كل منهما ويضمن عدم التداخل أو التقارب المفرط بين الطرفين فلكل شيء حدود يجب ألا تعبر وخصوصيات يجب ألا تنتهك حتى وإن كانت من أقرب الناس أو أقرب الشخوص للإنسان.
إن أكثر العلاقات اتزانا ليست تلك التي يكثر فيها الحضور فحسب ولكن التي يحكمها وعي بالحدود، ونبل في التعامل واحترام لا يتآكل مع الزمن. فالإفراط في القرب يسقط الهيبة والإفراط في البعد يميت المودة، وما بينهما تنشأ العلاقات الناضجة.
فن التعامل مع الناس يبدأ من “فك شفرة الوجوه”؛ فلا تنخدع ببريق البدايات، فالبدايات غالباً ما تكون “مكياجاً” للروح، أما النهايات فهي الوجه الحقيقي الذي يسفر عنه الزمن.
القاعدة الذهبية هنا هي “الاقتصاد في العشم”؛ فمن وضع سقف توقعاته في الغيوم فلا يلومن إلا نفسه حين يسقط على أرصفة الواقع.
إن هندسة المسافات ليست تكبرا بل صيانة للنفس من الابتذال، وحفظ للعلاقات من الاستهلاك وحماية للود من أن تفسده كثرة المخالطة أو سوء التقدير.
فاجعل قربك مكافأة للأوفياء، وغيابك رسالة لمن لا يعرف قيمة حضورك واصنع بينك وبين الناس مسافة من الكرامة فلا يجرؤ متجاوز ولا يتردد محب ولا يطمع مستغل.
فما خسر إنسان عرف أين يقف ومع من يقترب ومتى ينسحب… وإنما الخسارة كل الخسارة أن تعطي الجميع المنزلة نفسها، ثم تتعجب حين تختل الموازين
لنكن في محيطنا الإنساني ككوكب الأرض في مدارها المحسوب حول الشمس: نقترب بالقدر الذي يمدنا بالدفء والنماء والنور ونبتعد بالقدر الذي يحمينا من لظى الاحتراق. اصنع بينك وبين الناس مسافة من الكرامة والوضوح مسافة لا يجرؤ معها متجاوز، ولا يتردد في ظلها محب ، ولا يطمع في عقرها مستغل. فما خسر في هذه الحياة إنسان عرف أين يقف، ومع من يقترب، ومتى ينسحب.
ونختم : بهندسة صلاح حاج سعيد
لى عيونك يا مداين الفرحة
والحب .. والجسارة
عندى ليك مليون بشارة
وألف خير … والكلمة شارة
وإنتى لمّا الحب يهوّم
فى عيونى.. وفى عيونك
يبقى حائر .. بالأمارة
الفرح منك .. يجينى
يعترينى الخوف عليك
خطوة منك .. خطوة ليك
راجى منك بس إشارة
وكلمة تدينى البشارة
ولاّ بيناتنا المسافة ؟


