*دكتور البشير الحسن أبونخل* … يكتب:*استبعاد السودان من اجتماع البحر الأحمر… سؤال السيادة الغائب وإشارة تستحق التوقف*

لم يكن غياب السودان عن الاجتماع الرباعي الذي استضافته القاهرة لبحث تطورات القرن الأفريقي وأمن البحر الأحمر مجرد تفصيل عابر في مشهد دبلوماسي مزدحم، بل أثار تساؤلات مشروعة حول دواعي هذا الاستبعاد، خاصة أن الخرطوم ليست طرفاً بعيداً عن هذا الملف، وإنما دولة مشاطئة للبحر الأحمر، وتمتلك موقعاً جغرافياً يجعلها جزءاً أصيلاً من أي نقاش يتعلق بأمنه واستقراره.
فقد ضم الاجتماع الذي عقد في القاهرة كلاً من مصر وإريتريا والصومال والولايات المتحدة، وناقش تطورات الأوضاع في القرن الأفريقي وسبل تعزيز التنسيق الأمني والاستقرار الإقليمي. وإذا كان من بين أبرز ما تم التأكيد عليه خلال الاجتماع أن أمن البحر الأحمر وإدارته مسؤولية الدول المشاطئة له، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: لماذا غاب السودان، وهو إحدى الدول الأساسية المطلة على هذا البحر؟
إن السودان ليس مجرد دولة تمر على ساحل البحر الأحمر، بل هو طرف محوري في معادلة أمن المنطقة. فموقعه الجغرافي يجعله حلقة وصل بين العالم العربي والقارة الأفريقية، كما أن امتلاكه شريطاً ساحلياً مهماً، وعلاقاته التاريخية والاستراتيجية مع دول الجوار، وعلى رأسها مصر وإريتريا، تمنحه وزناً لا يمكن تجاهله في أي ترتيبات تتعلق بأمن البحر الأحمر أو استقرار القرن الأفريقي.
ومن هنا فإن استبعاد السودان من اجتماع يناقش قضايا تمس أمنه القومي ومصالحه المباشرة يثير علامات استفهام عديدة. فإذا كانت الدول المجتمعة ترى أن أمن البحر الأحمر شأن يخص الدول المطلة عليه، فإن المنطق يقتضي أن يكون السودان حاضراً في أي حوار يتعلق بمستقبل هذا الممر الحيوي، لا أن يكون غائباً عن طاولة النقاش.
قد تكون هناك أسباب سياسية أو دبلوماسية تقف وراء هذا الغياب، لكن أياً كانت المبررات، فإن النتيجة تظل مثيرة للقلق، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان. فالأزمة الداخلية والصراع القائم في البلاد لا ينبغي أن يتحولا إلى مبرر لتهميش دوره الإقليمي أو التعامل معه باعتباره مجرد ملف أزمة، بدلاً من كونه دولة ذات أهمية استراتيجية في محيطها.
ويكتسب هذا الأمر أهمية أكبر بالنظر إلى تزامن الاجتماع مع تطورات مرتبطة بالموقف الأمريكي تجاه السودان، بما في ذلك فرض عقوبات جديدة، الأمر الذي يفتح باب التساؤل حول ما إذا كان غياب الخرطوم يعكس فقط ترتيبات دبلوماسية مؤقتة، أم أنه جزء من محاولة أوسع لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بعيداً عن مشاركة السودان الفاعلة.
ولا يمكن إغفال أن السودان ظل تاريخياً لاعباً مهماً في قضايا المنطقة. فعلاقاته مع مصر تقوم على روابط جغرافية وأمنية ومصالح مشتركة، كما أن علاقته بإريتريا ترتبط بحدود ومصالح متداخلة، فضلاً عن دوره في قضايا القرن الأفريقي. لذلك فإن أي تصور لأمن البحر الأحمر يتجاوز السودان أو يقلل من أهميته سيظل تصوراً ناقصاً، وقد يؤدي إلى نتائج عكسية على استقرار المنطقة.
ومع ذلك، فإن مسؤولية حماية الدور السوداني لا تقع على عاتق الآخرين وحدهم، بل تقع أيضاً على الدبلوماسية السودانية التي مطالبة اليوم بإعادة بناء حضورها الإقليمي والدولي، والتحرك بصورة أكثر فاعلية في القضايا التي تمس الأمن القومي. فالمكانة الإقليمية لا تُمنح فقط بحكم الموقع الجغرافي، وإنما تُصان بالحضور والمبادرة والقدرة على بناء الشراكات.
إن السودان بحاجة إلى دبلوماسية نشطة تستعيد دوره الطبيعي في محيطه العربي والأفريقي، وتؤكد أن أزمته الراهنة لا تلغي مكانته التاريخية ولا مصالحه المشروعة. كما أن على الدول الشقيقة والصديقة إدراك أن استقرار السودان ليس شأناً داخلياً فحسب، بل عنصر أساسي في أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي بأكمله.
إن أمن البحر الأحمر لا ينبغي أن يكون مجالاً لترتيبات تستثني بعض دوله المشاطئة أو تعيد رسم خرائط النفوذ بعيداً عن أصحاب المصلحة الحقيقيين. فالسودان، رغم التحديات التي يواجهها، يظل رقماً مهماً في هذه المعادلة، وغيابه عن أي حوار حول مستقبل المنطقة يظل سؤالاً مشروعاً يحتاج إلى إجابة واضحة.
فالقضايا الكبرى لا تنتظر الدول الغائبة، والدول التي لا تحجز موقعها في طاولات الحوار قد تجد نفسها أمام واقع صاغه الآخرون. ومن هنا فإن استعادة السودان لدوره الإقليمي ليست خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة وطنية لحماية مصالحه وصيانة موقعه في محيطه.



