في بريد والي غرب كردفان

*كتبت :د.فردوس عمر عثمان أبومدينة – استاذ مشارك جامعة غرب كردفان*
*في بريد والي غرب كردفان* :
*سعادة اللواء الركن (م) حامد محمد تيراب*
في مستهل هذه الكلمات نتوجه بخالص الشكر والتقدير لسعادة اللواء الحقوقي (م) محمد آدم جايد على ما بذله من جهد خلال فترة تكليفه واليا لولاية غرب كردفان، سائلين الله تعالى أن يتقبل عمله، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته وأن يجزيه خير الجزاء. كما نسأل الله أن يوفق سعادة اللواء الركن (م) حامد محمد تيراب وأن يسدده ويعينه على حمل هذه الأمانة العظيمة وأن يوفقه لما فيه خير الولاية وأهلها. ومع التقدير لكل من تحمل مسؤولية هذه الولاية في ظروف بالغة التعقيد فإن الحقيقة التي ينبغي أن تبقى ماثلة في الأذهان هي أن قضية غرب كردفان قضية وطنية تتجاوز الأشخاص والمناصب وتستدعي أن تبقى المصلحة العامة هي البوصلة في كل مرحلة وأن يكون الانتقال في المسؤولية فرصة لتجديد العزم على خدمة الولاية وتحقيق تطلعات أهلها فالحقيقة التي ينبغي أن تظل ماثلة في الأذهان هي أن قضية غرب كردفان ليست قضية شخص ولا قضية منصب، وإنما هي قضية وطن وأهل، تتجاوز تعاقب المسؤولين، وتقتضي أن تظل المصلحة العامة هي البوصلة في كل مرحلة.
فالولايات لا تنهض بمجرد انتقال المسؤولية أو تبدل الأشخاص، وإنما تنهض عندما تتجدد الرؤى وتحسن إدارة الأولويات وتنتصر المصلحة العامة على كل اعتبار. وما أكثر الذين تعاقبوا على مواقع المسؤولية وما أقل الذين استطاعوا أن يتركوا أثرا يغير الواقع ويصنع الفرق.
لقد أثبتت التجارب أن أزمة غرب كردفان لم تكن يوما أزمة رجال ولا أزمة موارد فحسب وإنما كانت في جانب منها إن صح القول أزمة إدارة فعندما تتقدم الولاءات على الكفاءات وتطغى الحسابات الضيقة على مقتضيات المسؤولية العامة. وكثيرا ما أهدرت طاقات المسؤولين في إدارة الأشخاص بينما كانت قضايا الولاية تنتظر من يتفرغ لها. وهنا يكمن الامتحان الحقيقي لأي قيادة فليس كل من يقترب ناصحا وليس كل من يرفع صوته مخلصا وليس كل من يكثر الثناء يريد للوالي النجاح. فأخطر ما يواجه المسؤول ليس النقد الصادق وإنما الثناء الذي يطمس بصيرته والحاشية التي تضيق أفقه بقضايا الأفراد حتى تتوارى أمامه قضايا المواطن الكبرى. ولذلك فإن أول ما تحتاج إليه الولاية في الوقت الحالي ليس قرارات إدارية بقدر ما تحتاج إلى منهج في الحكم يجعل معيار المسؤولية هو الكفاءة والنزاهة ويعيد الاعتبار للمؤسسات ويغلق أبواب النفوذ الشخصي حتى تكون الدولة لجميع أبنائها لا لفئة دون أخرى. غير أن كل ذلك يظل وسيلة أما الغاية فهي غرب كردفان نفسها. واليوم تقف الولاية أمام مسؤوليتين وطنيتين لا تحتملان التأجيل وما عداهما يأتي في مرتبتهما.
أولا : استكمال تحرير ولاية غرب كردفان واستعادة جميع محلياتها الأربع عشرة وبسط سيادة الدولة على كامل ترابها.فلا تنمية مع غياب الأمن ولا مؤسسات تؤدي رسالتها في ظل الحرب ولا استثمار يستقر في أرض لم تسترد عافيتها بعد . كما وإن تحرير الأرض وتأمين الطرق وعودة مؤسسات الدولة ليست أهدافا عسكرية وحدها ولكن هي المدخل الطبيعي لعودة الحياة واستقرار المجتمع واستعادة ثقة المواطن في دولته.
وثانيا : رعاية الإنسان وفي مقدمته النازحون.
فالنازحون يا سعادة اللواء تيراب ليسوا أرقاما في تقارير المنظمات وإنما هم أهل هذه الولاية أخرجتهم المليشيا من ديارهم قصرا وفرضت عليهم ظروفا قاسية. ومن حقهم على دولتهم أن تجعلهم في مقدمة أولوياتها بتوفير المأوى الكريم والرعاية الصحية ومياه الشرب والتعليم لأبنائهم والعمل على تهيئة الظروف التي تمكنهم من العودة الآمنة إلى مناطقهم متى ما استقرت الأوضاع .فما بين تحرير الأرض وصيانة كرامة الإنسان تتجلى حقيقة الدولة ويقاس نجاح المسؤول.
فغرب كردفان في حاجة اليوم إلى إرادة وإدارة تدرك أن هذه المرحلة مرحلة عمل وإنجاز وأن كل مورد يجب أن يوجه حيث تكون حاجة المواطن أشد. فكل مال ينفق بعيدا عن الأولويات إنما يحرم منه مريض أو يؤخر خدمة أو يثقل معاناة نازح ينتظر من دولته أن تكون إلى جانبه.
كما أن المرحلة تستدعي إصلاحا يعيد للمؤسسات هيبتها ويجعل الوظيفة العامة تكليفا ومسؤولية لا وسيلة للنفوذ أو تحقيق المكاسب الشخصية. فالدول لا تنهض بالحواشي وإنما تنهض بالمؤسسات ولا تستقيم بالمجاملات وإنما تستقيم بالعدل وسيادة القانون.
فأهل غرب كردفان لا ينتظرون المستحيل بقدر ما ينتظرون دولة تنصفهم وقيادة تنصت إليهم وإرادة تجعل قضاياهم في صدارة القرار. وسيبقى التاريخ شاهدا على الرجال لكنه لا يمنح مكانه إلا لمن جعلوا من مواقعهم جسورا تعبر عليها أوطانهم إلى الأمن والاستقرار. أما المناصب فزائلة وأما الأثر الصالح في حياة الناس فهو الباقي وسيظل التاريخ يكتب أسماء الرجال لكنه لا يمنح الخلود إلا لمن جعلوا من مناصبهم جسورا لعبور أوطانهم نحو الأمن والاستقرار. أما الذين شغلتهم حسابات الأشخاص فسرعان ما يطويهم النسيان.
نسأل الله أن يحفظ السودان أرضه وشعبه من المتربصين به ومن الفتن ما ظهر منها وما بطن وأن يرفع عن غرب كردفان ويلات الحرب وأن يوفق القائمين على أمرها إلى ما فيه خير أهلها وأن يوحدهم على كلمة الحق وأن يجعل الوطن السودان فوق كل اعتبار والمصلحة العامة فوق كل مصلحة وأن يرزق المسؤولين الإخلاص في القول والعمل فالمناصب أمانة والتاريخ لا يحفظ إلا أثر الصادقين.
*﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾*



