الخلية الأولى ..!!

الطاهر ساتي يكتب….
:: رصدت خبرين صغيرين شكلاً وكبيرين مضموناً، والعامل المشترك بينهما منظمة الأغذية و الزراعة للأمم المتحدة “الفاو”، فبالتعاون معها تم توزيع بذور محسنة للخضروات على بعض الأسر بمحلية جبل أولياء، لتشجيع الزراعة المنزلية..!!
:: وبمحلية وادي حلفا، وبالتعاون مع “الفاو” أيضاً، تم تدشين مشروع الماعز الحلوب، الذي يستهدف (1500) أسرة بالشمالية، وفي الخطة (2000) مشروع إنتاجي آخر، غير مشروع الماعز الحلوب..!!
:: “الفاو” تعي ما تفعله بهذا النشاط، ولكن من نلقبهم بالمسؤولين لم – ولن – يستوعبوا.. قائد النهضة الاقتصادية بماليزيا، مهاتير محمد، لم يعتمد على المنح و القروض الأجنبية، بل عمل على توسيع قاعدة المجتمع المنتج، وبالتركيز على الأسرة بإعتبارها الخلية الأولى في بناء الاقتصاد الوطني..!!
:: فكرة “الأسرة المنتجة” بسيطة للغاية، وهي تحويل المنزل إلى “مشروع منتج”، وتحويل الفرد المستهلك إلى مصدر إنتاج..وهذا التحول، إضافة إلى أنه يرفع معدل النمو على مستوى البلد، فإنه أيضاً يُخرج الأُسر وأفرادها من مطرقة الفقر و سندان الاستهلاك إلى رحاب اليسر و السعة و الإنتاج..!!
:: ولايات أمريكا تحمي “الأُسر المنتجة” بما يسمى “قوانين الأغذية المنزلية”، وهي قوانين تسمح لأفراد الأسرة بتحضير بعض الأطعمة والمشروبات في مطابخ البيوت، ثم بيعها مباشرة للمستهلك، بدون تراخيص ومحلات تجارية.. عائد مشاريع المنازل في أمريكا يتجاوز (500) مليار دولار سنوياً..!!
:: أما دور الأُسرة في اقتصاد الهند، فهذه قصة عظمى.. فالهند من الدول الرائدة في تصدير المنسوجات و”الحرف اليدوية”، وتساهم الصناعات المنزلية – أي الأُسر المنتجة – في هذا الصادر بما يعادل (30%) من الناتج المحلي الإجمالي، أي بثلث العائد القومي..!!
:: و التجربة مدهشة في بريطانيا..وتقول الإحصاءات الرسمية هناك إن (59%) من المشاريع التي لا تمتلك موظفين، أي يديرها صاحب المشروع وحده، هي في الأصل مشاريع قائمة بالكامل داخل المنازل، وتساهم هذه المشاريع المنزلية بمليارات الجنيهات في الاقتصاد القومي..!!
:: ولا تذهب بعيداً، بل قف عند التجربة المصرية.. فالكثير من منتجات الألبان واللحوم ومناحل العسل والعصائر والمخبوزات والحلويات – التي على رفوف المحلات التجارية – مصدرها “الأسر المنتجة”، وليست الشركات والمصانع.. وتجاوز عدد مراكز تأهيل وتدريب الأسر على الإنتاج (400) مركز..!!
:: وفي السعودية تساهم منشآت صغيرة تديرها أسر بما يعادل (22.9%) من الناتج المحلي، حسب تقارير هذا العام..يما تمضي “رؤية 2030” لرفع تلك المساهمة إلى (35%)، وحكومة المملكة ليست بحاجة لأموال الأسر، ولكنها تؤمن ببناء مجتمعات منتجة..!!
::و المعاناة التي تعيشها الأسرة السودانية كان يمكن أن تكون مصدر إلهام للإبداع لو وجدت فرص العمل.. وتوفير فرص العمل للأُسرة، بالتدريب والتأهيل ثم تمليكها وسائل إنتاج، ليس بحاجة لمال قارون وعبقرية أينشتاين، بقدر ما هو بحاجة لأجهزة دولة تمتلك الإرادة و القدرة على الإدارة..!!



