إيمان مزمل الرشيد تكتب : الأمل الجديد… المعلم وجه السودان الذي نُريد

في الخامس من أكتوبر تتجه أنظار العالم إلى المعلم الذي يقف كل يوم أمام أجيال المستقبل يزرع المعرفة ويصنع بالعلم ملامح الغد. إنه اليوم العالمي للمعلم مناسبة تتجدد فيها التحية لمن اختاروا التعليم رسالة ولمن ظلوا يؤمنون بأن بناء الإنسان هو البداية الحقيقية لبناء الأوطان.
وفي السودان، يأتي هذا اليوم ونحن نرى المدارس تستعيد عافيتها خطوة بعد خطوة والمؤسسات التعليمية تمضي نحو التعافي مشهد يستحق الإحتفاء ويمنحنا سبباً للأمل، ويضع أمامنا مسؤولية أكبر تجاه المعلم والتعليم.
فبينما تفتح المدارس أبوابها ، لا يزال آلاف المعلمين خارج العملية التعليمية نزحوا عن مناطقهم، وتقطعت بهم سبل العمل.
تخيلوا معلماً صاحب خبرة وكفاءة، أمضى سنوات في الخدمة دفعته الحرب إلى النزوح وأصبح بعيداً عن فصله وطلابه يعيش في مكان يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة. حقا هذا النموذج يتكرر مع آلاف المعلمين الذين فرقتهم الحرب عن مدارسهم، ومع خريجين أنهوا سنوات الدراسة والتأهيل ثم وجدوا أنفسهم أمام فرص عمل محدودة.
هذه الكفاءات تمثل ثروة وطنية ينبغي إستعادتها إلى العملية التعليمية والمرحلة المقبلة تحتاج إلى حصر المعلمين النازحين والعاطلين من الخريجين، ومعرفة تخصصاتهم وخبراتهم، والعمل على إدماجهم في المدارس التي تحتاج إلى كوادر فكل معلم يعود إلى الفصل يضيف طاقة جديدة إلى التعليم، وكل فرصة عمل لمعلم شاب تعني بداية جديدة لجيل ينتظر من يعلمه.
وفي مقدمة الأولويات استعادة قوة التعليم العام الحكومي فالمدرسة الحكومية ظلت الباب الأوسع أمام أبناء السودان واتساع الفجوة بينها وبين التعليم الخاص سيدفع مزيداً من الأسر القادرة إلى البحث عن البديل الخاص بينما تضيق الخيارات أمام الأسر محدودة الدخل وقوة التعليم العام ترتبط مباشرة بالعدالة الاجتماعية وبحق كل طفل في الحصول على تعليم جيد.
لقد قطع العالم شوطاً بعيداً في التعليم، وأصبح أطفال اليوم يتنافسون في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والعلوم والابتكار، بينما لا يزال بين أطفال السودان من يقف خارج المدرسة، ينتظر فرصة للتعليم. هذه الفجوة الزمنية والمعرفية تستحق أن تكون في مقدمة أولوياتنا فكل يوم يظل فيه طفل خارج المدرسة يعني مزيداً من الفاقد التعليمي، ومزيداً من المسافة بينه وبين أقرانه في العالم. إعادة الأطفال المنقطعين إلى مقاعد الدراسة، وفتح أبواب التعليم أمام من حُرموا منه، مسؤولية وطنية، واستثمار مباشر في مستقبل السودان.
وقد استبشر المعلمون وأسرهم خيراً بقرار تحسين المرتبات، باعتباره خطوة مهمة نحو معالجة أوضاعهم وتحسين قدرتهم على مواجهة تكاليف الحياة والمرحلة الآن تحتاج إلى الإسراع في التنفيذ فالظروف المعيشية لا تحتمل مزيداً من التأخير، والمعلم الذي نحمله مسؤولية بناء الإنسان يحتاج إلى دخل يوفر له الحد الأدنى من الاستقرار والكرامة.
إن دعم المعلم، وإعادة استيعاب الكفاءات التعليمية، وتأهيل المدارس، وتوفير الكتاب والوسائل التعليمية، واستكمال تحسين المرتبات، كلها حلقات في مشروع واحد: استعادة التعليم السوداني قوته ومكانته.
أيها المعلمون، السودان يحتاج إليكم حقا في هذه المرحلة أكثر من أي وقت مضى طوروا أدواتكم، وتمسكوا برسالتكم وكونوا جزءاً من عملية استعادة التعليم وبناء الإنسان فالأجيال التي ستعيد إعمار السودان وتدفع به نحو الاستقرار والتنمية تجلس اليوم في مقاعد الدراسة.
وفي اليوم العالمي للمعلم، التحية لكل معلم صمد، ولكل معلم ينتظر العودة إلى مدرسته، ولكل خريج ينتظر فرصته الأولى، ولكل من يحمل في قلبه إيماناً بأن التعليم هو الطريق إلى المستقبل.
كل عام والمعلم بخير، وكل عام ومدارسنا أقوى، وتعليمنا العام أكثر قدرة على صناعة السودان الذي نحلم به.



